كل المقالات كتب إلى متى ننتظر؟ | كتاب حياة الرجاء

إلى متى ننتظر؟ | كتاب حياة الرجاء

· · 1561 كلمة · 8 دقيقة قراءة
كتاب حياة الرجاء ▹

49- إلى متى ننتظر؟ 🔗

يقول المرتل في المزمور “صبرت نفسي للرب. صبرت نفسي لناموسك انتظرت نفسي الرب من محرس الصبح حتى الليل” (مز 129) ويضيف بعدها “لأن الرحمة من عند الرب، وعظيم هو خلاصه”.. وربما عبارة “من محرس الصبح حتى الليل” -في معناها الرمزي- تعني العمر كله، أو تعني الوقت كله. أو عبارة “حتى الليل قد تعني: حتى الظلمة، حتى عمق اشتداد المشكلة..

ننتظر الرب، ونحن متأكدون تمامًا أنه لابد سيجيء ويصنع خلاصًا. أما متى يجيء؟ أصباحًا، أم ظهرًا، أم في نصف الليل، أم في الهزيع الرابع؟ لسنا ندري..

لا نعرف متى يجيء. ولكن ما يسعدنا حقًا، أنه لا بُد سيجيء..

الوقت أو الميعاد، نتركه لحكمته الإلهية. ولكن نفرح بانتظار مجيئه، حسب وعده الصادق “لا أترككم يتامى. أني آتي إليكم” (يو 14: 18). “سأراكم أيضًا فتفرح قلوبكم. ولا ينزع أحد فرحكم منكم” (يو 16: 22). إن الصليب قد يحمل ألمًا. والقيامة معها فرح الرجاء..

وكل صليب لا بُد بعده قيامة. والوعد بالقيامة يحمل الرجاء..

لذلك كن واثقًا، ولا تيأس. وانتظر الرب في عمق السلام الداخلي. وكلما أحاطت بك ضيقة، قل: إنني اسمع صوت حبيبي “هُوَذَا آتٍ طَافِرًا عَلَى الْجِبَالِ، قَافِزًا عَلَى التِّلاَلِ” (نش 2: 8).

وإن صادفتك مشكلة، لا تجعلها تتعبك كما يحدث لفاقدي الرجاء. بل قل في ثقة: أن الله لابد سيحلها. وإن لم تحل في هذه الأيام، ستحل في الأسابيع المقبلة. وإن لم تحل في هذه الأسابيع، ستحل في الشهور المقبلة. أنها لا بُد ستحل، مهما مر الوقت عليها. أنا واثق يا رب في تدخلك. واثق في حكمتك وفي عملك، وأنك لن تتخلى. لذلك مهما مر الوقت، نحن لا نحزن، كما قال الرسول:

لا تحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم” (1 تس 4: 13).

إن ثقتنا بعمل الله، لا تسمح أبدًا للحزن أن يدخل إلى قلوبنا. فلنثق به إذن. عجيب أننا نثق أحيانًا بالطرق البشرية، وبالوسائط العالمية، ونثق بالأخريين، ونثق بأنفسنا، بذكائنا وفهمنا وقدراتنا.. أما الله، فكثيرًا ما تهتز ثقتنا ونحن ننتظره!! فلماذا؟ ألعله (التأخير) في الاستجابة هو الذي يجعلنا نشك أو نحزن.

إذن فلنبحث موضوع التأخير هذا لنفهمه جيدًا.. وكمقدمة له نقول: إن الله يعمل، مهما بدأ لنا أنه قد تأخر علينا..


يُمكنك قراءة كتاب حياة الرجاء على هاتفك الأندرويد عبر تطبيق كتب البابا، نزله من هنا .


50- مهما بَدَا أنهُ تأخَّر 🔗

الله لا يتأخر مطلقًا. عبارة “تأخر” هنا لها معنى نسبي، بالنسبة إليك! وكذلك عبارة “لا تبطئ” (مز 69). أي لا تجعلني أشعر أنك قد أبطأت عليّ وتأخرت!

إن الله يعمل بطريقة هادئة متزنة، قد نحسبها نحن بطئًا.

كلأ أعمال الله تكون في وقتها المناسب. لا سرعة فيها ولا تأخير. وتوقيتها محسوب بحكمة إلهية عجيبة، بكل دقة.

لقد وعد الله آدم وحواء بالخلاص.. ومرَّت آلاف السنوات..

قال لهما أن نسل المرأة سوف يسحق رأس الحية. ومرت آلاف السنوات، والحية لا تزال رافعة رأسها في شموخ! وبدا أن نسل المرأة في انهيار ستمر.. حتى أن الله اغرق العالم بالطوفان، وأحرق سادوم بالنار، وأمر الأرض أن تفتح فاها لتبتلع قورح وداثان وأبيرام.. وبقي وعد الله قائمًا..

هلك هذا النسل. ولو!! لنا رجاء في نسل آتٍ للخلاص..

كان الرجاء معلقًا في أولاد نوح. أفسد أغلبهم؟! يبقي الرجاء في أولاد إبراهيم. أفسد أغلبهم؟ يبقي الرجاء في أولاد يعقوب.. لا بُد سيحقق الله وعده بالخلاص.. ومهما انتظر سمعان الشيخ طويلًا، لا بُد سيأتي عليه الوقت الذي يقول فيه -وهو يحمل المسيح,“الآن يا رب تطلق عبدك بسلام، لأن عيني قد أبصرتا خلاصك” (لو 2: 29، 30). حتى المرأة السامرية -علي الرغم من كثرة خطاياها- لم يفارقها مطلقًا هذا الرجاء في مجيء المسيح، المسيح، لذلك قالت: “أنا أعلم أن مسيا، الذي يقال له المسيح، يأتي.."(يو 4: 25).

وكثيرون رقدوا قبل أن يبصروا الخلاص. ولكن رقدوا على رجاء..

وفي ذلك يقول معلمنا القديس بولس الرسول: “في الإيمان مات هؤلاء أجمعون وهم لم ينالوا المواعيد. بل من بعيد نظروها، وحيوها وأقروا بأنهم غرباء ونزلاء على الأرض” (عب 11: 13). هؤلاء رتلوا مع المزمور “لأنك لن تترك نفسي في الجحيم، ولن تدع قدوسك يري فسادًا” (مز 16: 10). وفي كل ذلك سنسأل سؤالًا هامًا وهو:

هل حقًا تأخر الله في تنفيذ وعده بخلاص العالم؟ 🔗

كلا، إنه لم يتأخر الوقت على الرغم من مرور آلاف السنين. بل انه كان يعد البشرية لاستقبال هذا الخلاص.. يعدهم بالنبوات وبالرموز وبالتوبة وبالإيمان. كم من الذبائح والمحرقات قدموها، حتى صارت عقيدة الكفارة والفداء راسخة في أذهانهم، وصارت المغفرة بالدم أمرًا سهلًا مقبولًا.. وانتظر الرب حتى أصبح الإيمان أذهانهم، وصارت المغفرة بالدم أمرًا سهلًا.. وانتظر الرب حتى أصبح الإيمان ممكنًا، حتى وسط الأمم. وانتظر الرب حتى يوجد المعمدان الذي يعد الطريق قدامه وحتى توجد العذراء الطاهرة التي تكون إناء للتجسد، والتي تقدر على احتمال ذلك المجد العظيم.

إذن لم تكن مرحلة تأخير، إنما مرحلة إعداد تقوى الرجاء..

ونفَّذ الله وعده الذي لم ينسه مطلقًا خلال آلاف السنين، بل كان يمهد له.. وأخيرًا استطاع نسل المرأة أن يستحق رأس الحية (تك 3: 15). وتم فعلًا ما قاله لأبينا إبراهيم: “بنسلك تتبارك جميع قبائل الأرض” (تك 22: 18؛ أع 3: 25).

لقد خلصهم “في ملء الزمان” (غل 4: 4).


يُمكنك قراءة كتاب حياة الرجاء على هاتفك الأندرويد عبر تطبيق كتب البابا، نزله من هنا .


51- مفهومنا الخاطئ للتأخير في استجابة الله 🔗

نحن نقول انْتَظِرِ الرَّبَّ. فهل ننتظر الرب حتى يبدأ العمل، واثقًا أنه سوف يعمل؟ كلا. فهذه تعبيرات مقدمة للمستوى البشري في الفهم. فما الحقيقة إذن؟

انتظر الرب واثقًا، ليس أنه سيعمل، بل واثقًا أنه يعمل فعلًا. وربما قبل أن نطلب منه نحن.

ربما كنيسة محتاجة إلى كاهن يرعاها، وتطلب من الرب هذا، ويبدو أن الرب قد تأخر عليها عامين أو ثلاثة، حتى أرسل لها الكاهن المطلوب..! بينما تكون الحقيقة أن الله كان يعد لها هذا الكاهن منذ ثلاثين أو أربعين عامًا مضت، قبل أن تطلب يعده بروحيات معينة، ويعلم ومعرفة وحكمة وتداريب، ويعده ربما بتجارب وضيقات، وبخبرات روحية، تجعله الشخص النافع والمناسب لهذه الكنيسة.. ونحن الذين لا نرى ولا نعرف إعدادات الله، ونظنه قد تأخر!!


يُمكنك قراءة كتاب حياة الرجاء على هاتفك الأندرويد عبر تطبيق كتب البابا، نزله من هنا .


52- أسباب وحكمة ما نظنه تأخيرًا في استجابة الله 🔗

1- ربما يكون مجالًا لتعميق صلواتك وروحياتك 🔗

هذا (التأخير) يجعلنا نصلي، ونتضرع ونداوم اللجاجة بقوة ومن عمق القلب، ومن عمق الاحتياج، وربما نضيف إلى الصلاة صومًا، وتذللًا أمام الله ونذرًا. مثال ذلك حنة أم صموئيل: لما كانت عاقرًا، وقد تأخر عليها الإنجاب وكانت ضرتها تغيظها، يقول الكتاب إنها “صلت غلي الرب، وبكت بكاء، ونذرت نذرًا” (1 صم 1: 9-12) وتعهدت بأن الابن الذي يعطيها الرب إياه يكون نذيرًا للرب يخدمه كل أيام حياته. وهكذا استفادت من هذا (التأخير). أو قل أن الرب وجد أن الوقت المناسب لمنحها نسلًا، هو الوقت الذي تصل فيه إلى هذه الحالة الروحية، بدون تأخير.

2- ربما يكون السبب أن الرب يعد طريقًا أفضل 🔗

لو استجاب الرب ليوسف الصديق منذ أول إلقائه في السجن، ربما كان مصيره أن يخرج ليخدم فوطيفار أو سيدًا أخر، أو في أية وظيفة مماثلة ولكن (التأخير) لم يكن تأخيرًا، وإنما انتظارًا للحلم الذي يحلمه فرعون، ويفشل في معرفة تفسيره، ويكون رئيس سقاته معه، فيخبره بيوسف، ويوسف الحلم بحكمة ويصير الوزير الأول لمصر وأبًا لفرعون إذن ما بدا تأخيرًا، كان إعداد لوضع أفضل.

3- وربما يكون السبب هو اختيار إيماننا 🔗

هل نتضايق حينما لا تُسْتَجَاب صلواتنا في ذات الوقت؟ هل نتذمر؟ هل نلجأ إلى غيره؟ هل يشكو للكل؟ هل نجدف عليه؟ أم أننا نصبر في إيمان وفي رجاء وثقة؟.. إنه اختبار من الله لإيماننا، اختبار منا لأنفسنا. حتى إن وجدنا في أنفسنا ضعفًا، نعالجه.

4- وربما يكون السبب هو أن نحصل على انسحاق القلب 🔗

إن استجابة كل صلاة في وقتها، ربما تؤدي بنا إلى الافتخار والمجد الباطل. بينما هذا (التأخير) قد يوصلنا إي التواضع والانسحاق، فندرك أننا لسنا شيئًا..

5- وقد يكون السبب هو أن نصطلح مع الله 🔗

فإن (تأخر) علينا في الاستجابة، قد نراجع أنفسنا، هل نحن أخطأنا إلى الرب، فلم يستجب بسبب خطايانا؟ وهنا نتذكر قول الرب “ارجعوا إليَّ فارجع إليكم” (ملا 2: 7) يقودنا هذا الأمر إلى التوبة. ويكون وصلنا إلى التوبة هو الموعد المناسب الذي حدده الله، بلا تأخير.

6- ربما يكون السبب هو أن ما نناله بسرعة، لا نشعر بقيمته 🔗

وقد لا نشكر عليه، فإن (تأخرت) الاستجابة، يزداد تعلقنا بالمطالبة وشعورنا بقيمة تحقيقها، فإذا ما استُجِيبَت بعد حين، يزداد شكرنا لله ولا ننسي إحسانه إلينا. وهذا يعمق ارتباطنا به، كذلك نحرص على ما نلناه منه فلا نفقده بسرعة..

7- وربما يصبر الله علينا في الضيقة، لننال بركاتها 🔗

إن استجاب لنا الله في التو واللحظة، ورفع عنا الضيقة، فلا يمكن أن ننال البركات التي ننالها كلمة طالت مدة الضيقة، واحتملنا وصبرنا ونأخذ بسبب ذلك أكاليل، بل نأخذ خبرات روحية أيضًا. ونأخذ فضيلة الصبر والتسليم وانتظار الرب.

8- وقد يكون السبب فيما نظنه تأخيرًا، هو أن الله يعد لنا بديلًا أفضل مما نطلبه 🔗

ذلك لأن الله يعطينا دائمًا ما ينفعنا وما يناسبنا، وليس مجرد الذي نطلبه.

إن الله لا يستجيب حرفية صلواتنا، بل روحها. هو يعرف احتياجاتنا أكثر مما نعرف نحن. وهو يعرف الصالح لنا أكثر مما نعرف نحن. ويكفي أن نقول له إننا نريد، وهو يختار بحكمته ما يراه نافعًا لنا، وما يراه مطابقًا لمشيئته المقدسة المملوءة حكمة.

9- ربما شعورنا أن الله قد تأخر علينا، هو تعبير عن عدم إجادتنا لعبارة “لتكن مشيئتك” 🔗

إننا نقولها في الصلاة. ولكننا غالبًا لا ندخل إلى عمقها ولا ندركها ولا نغنيها. فإن تأخرت استجابة ما نطلب، علينا أن نقول له: نحن يا رب لا نفرض عليك مشيئتنا، إنما نصارحك بما في داخلنا من رغبات ومن طلبات. فإن وجدتها نافعة حققها في الوقت الذي تختاره. وإلا فلتكن مشيئتك، بكل رضي قلوبنا..

إنه تدريب على حياة التسليم، والمبنية على الثقة بتدابير الله.

المهم أن ننتظر الرب، بقلب مملوء بالسلام والاطمئنان، شاعرين أن قضيتنا قد استقرت في يد الله الأمينة وفي قلب الله الحنون. وهذا يكفي.


يُمكنك قراءة كتاب حياة الرجاء على هاتفك الأندرويد عبر تطبيق كتب البابا، نزله من هنا .

كتاب حياة الرجاء ▹
مشاركة: