لا تحتقروا أحد هؤلاء الصغار | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 1: الرجاء | كتاب حياة الرجاء - كتب البابا شنوده الثالث
- الجزء 2: حياة الرجاء يلزمها الثقة | كتاب حياة الرجاء - كتب البابا شنوده الثالث
- الجزء 3: أمور تساعد على الثقة | كتاب حياة الرجاء - كتب البابا شنوده الثالث
- الجزء 4: قصة يوسف الصديق | كتاب حياة الرجاء - كتب البابا شنوده الثالث
- الجزء 5: خطية آدم والموت والأمراض | كتاب حياة الرجاء - كتب البابا شنوده الثالث
- الجزء 6: تجربة أيوب والتجارب عموماً | كتاب حياة الرجاء - كتب البابا شنوده الثالث
- الجزء 7: كلمات في الرجاء ، وأنا أريحكم ، وفشل الالتجاء إلى غير الله | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 8: الله هو حَلاَّل المشاكل ، وكيف تأتي إلى الله ، ويريد الجميع يخلصون | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 9: يَطْلُبَ مَا قَدْ هَلَكَ ، مثال شاول الطرسوسي ، مِثال عذراء النشيد | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 10: زيارات النعمة للجميع ، مثال الزارِع ، الله يصالحنا معه | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 11: قصة يونان النبي | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 12: الشركة مع الله | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 13: الشركة مع الله | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 14: لا تحتقروا أحد هؤلاء الصغار | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 15: أعطانا وصايا في مستوى احتمالنا | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 16: مَنْ ردهم الرب إلى أرضهم؟ | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 17: مَنْ ردهم إلى أرض الأحياء بالتوبة | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 18: أردكم إلى الأرض الجديدة ، دون أن نطلب | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 19: نعم الله العظيمة | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 20: الرؤى والظهورات | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 21: مواهب العهد الجديد | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 22: كرم الله في عطاياه | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 23: في الدعوة الإلهية | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 24: العطاء والإيمان | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 25: الله يعمل معنا | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 26: نوعيَّة الانتظار للرب | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 27: لا تلجأ إلى الطرق البشرية | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 28: إلى متى ننتظر؟ | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 29: الله العطوف | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 30: نصائح في مساندة الضعفاء | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 31: الله الذي يبدأ | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 32: نهاية أمر خير من بدايته | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 33: الطفل موسى | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 34: الأرض الخربة | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 35: العاقر ، قصص معونة ، كل شيء مستطاع | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 36: أبصرت بابًا مفتوحًا في السماء | كتاب حياة الرجاء
كثيرًا ما ينظر البعض إلى حياة القديسين، وإلى القمم العالية التي وصلوا إليه في حياة الروح، وإلى عمق الصلة التي عاشوا فيها مع الله
وهنا يشعر الإنسان بصغر نفس ويتساءل: هل يمكن أن أكون مقبولًا أمام الله، وأنا في هذا المستوى الضعيف، وليس لي شيء على الإطلاق مما وصل إليه القديسون؟!
هل يمكن أن تقبل الله حياتي البسيطة الصغيرة التافهة.. التي إذا قيسَت بسير القديسين تكون لا شيء؟! هنا وأريد أن أحدثكم عن الله، الذي هو إله الصغار.. الله الذي اهتم بالأشياء الصغيرة جدًا، وجعل لها قيمة كبيرة قدامه.. والذي قيل عنه لتعزيتنا:
“المُقيم المسكين من التراب، والرافع البائس من المزبلة، لكي يجلس مع رؤساء شعبه” (مز 113: 7، 8).
الله الذي اختار أناسًا صغارًا لم تكن لهم قيمة عند الناس، ولكن الله كان يعرف قيمتهم، أو جعل لهم قيمة وامتدت يد الله فرفعتهم.
يُمكنك قراءة كتاب حياة الرجاء على هاتفك الأندرويد عبر تطبيق كتب البابا، نزله من هنا .
27- اختار الصِّغَار في السِن 🔗
1- اختار الصغار في السن 🔗
وهكذا قال داود عن نفسه: “صغيرًا كنت في أخوتي، ومحتقرًا كنت عند بني أمي”. كان كذلك عند أخوته. ولكن ماذا فعل الله"؟
أخذ داود الصغير من بين الغنم، وجعله مسيحًا للرب.
عندما دخل صموئيل النبي ليمسح ملكًا من بيت يسى البيلتحمي، عرض عليه يسى أبناءه الكبار السمان.. عرض عليه اليآب الطويل القامة الحسن المنظر، فقال الرب قد رفضته. ثم عرض عليه أبيناداب وشمه وباقي السبعة، فكان النبي يقول عن كل منهم “وهذا أيضًا لم يختره الرب” (1 صم 16: 5 -10).. وأخيرًا قال يسى:
“بقي بعد الصغير. وهوذا يرعى الغنم” (1 صم 16: 11).
نعم هذا الصغير الذي احتقره أبوه، وتركه مع الغنم دون أن يسمح له بحضور الحفل الذي يشرفه النبي العظيم صموئيل.. هذا الصغير هو الذي اختاره الرب ليكون له مسيحًا..!
وحل روح الرب على داود الصغير من ذلك اليوم فصاعدًا، وصار رجل المزامير رجل المزمار والقيثارة والعشرة الأوتار، وواحدًا من أشهر أنبياء العهد القديم. حقًا إن الله لا ينظر إلى الأعمار ولا إلى المنظر الخارجي. وكثيرًا ما اختار الصغار.
وكما اختار الله داود الصغير اختار أيضًا يوسف الصديق صغير إخوته.
وجعله ملكًا عليهم جميعًا، وعلى غيرهم. وأتى أخوته إليه، وسجدوا عند قدميه وهو صغيرهم..! كما جعله أيضًا أبًا لفرعون وسيدًا لكل بيته، ومتسلطًا على كل أرض مصر" (تك 45: 8).
واختار أيضًا أرمياء النبي الصغير الذي قال: “لا أعرف أن أتكلم لأني ولد” (أر 1: 6).
وقال له الرب: “قبلما صورتك في البطن عرفتك. وقبلما خرجت من الرحم قدستك. جعلتك نبيًا للشعوب.. ها قد جعلت كلامي في فمك. انظر. قد وكلتك اليوم على الشعوب والممالك.. ها قد جعلتك اليوم مدينة حصينة، وعمود حديد. وأسوار نحاس على كل الأرض، لملوك يهوذا ولرؤساء ولكهنتها ولشعب الأرض (أر 1: 4، 5، 9، 10، 18).
نجد أن أحب التلاميذ إلى المسيح كان يوحنا أصغرهم سنًا..
وهو الذي جعله الرب أحد الأعمدة الثلاثة في رسله (غل 2: 9). وأطال عمره أكثر من جميعهم، وكشف له رؤى السماء، وجعله كاتب الإنجيل المملوء باللاهوتيات.
ولعل من الصغار الذي أكرمهم الرب القديس مرقس الرسول الذي كتب أول الإنجيل. وكان شابًا صغيرًا حدثًا في فترة كرازة السيد المسيح على الأرض، وبدأ حياته خادمًا مع القديس بولس والقديس بطرس.
وبولس الرسول أخًا شابًا صغيرًا ليخدم معه، هو تيموثاوس الذي صار أسقفًا لأفسس، وقال له “لاَ يَسْتَهِنْ أَحَدٌ بِحَدَاثَتِكَ” (1 تي 4: 12).
ومن الصغار الذين اختارهم الرب القديس العظيم الأنبا بيشوي.
أختاره الملاك من بين إخوته ليكون نذيرًا للرب، وكان أنحفهم جسمًا، وأضعفهم وأصغرهم. وعرضت أمه على الملاك أن يختار أحد أخوته الكبار الأقوياء ليخدم الرب بقوة. ولكن هذا الصغير النحيف الضعيف كان هو الذي اختاره الرب ليكون “الرجل الكامل حبيب المسيح الذي غسل قدمي مخلصنا الصالح”.. لا تقل أنا صغير. فعجيب هو الرب في اختياره للصغار..
القديس أثناسيوس الرسولي كان شابًا صغيرًا في مجمع نيقية.
وكان في هذا المجمع المسكوني العظيم 318 من أشهر الآباء الأساقفة في العالم المسيحي. ومن حيث الرتبة كان أثناسيوس مجرد شماس. ومع ذلك وضعه الله في القمة. وأعطاه القوة في الانتصار على أريوس وفي دحض بدعته، وفي صياغة قانون الإيمان المسيحي.
وصار هذا الشماس الصغير أعظم اللاهوتيين في تاريخ الكنيسة..
وفي تاريخ الرهبنة، من أشهر الصغار العظام القديس تادرس تلميذ الأنبا باخوميوس، والقديس يوحنا القصير، والأنبا ميصائيل السائح.
لقد سمح أن يكون الشاب الصغير تادرس هو المرشد الروحي في كل أديرة القديس باخوميوس الكبير بل هو الذي أسس كثيرًا من هذه الأديرة، وعين المسئولين فيها. كذلك اختار الرب شابًا صغيرًا آخر ليكون المرشد الروحي في برية شيهيت، ذلك هو القديس يوحنا القصير، الذي قيل عنه أن الأسقيط كله كان معلقًا بإصبعه. وكان الرهبان يجلسون حوله ويستفيدون من تعليمه.. وكان شابًا حدثًا، ولكن له نعمة أكثر من الشيوخ! والقديس ميصائيل صار من الآباء السواح وعمره حوالي 17 عامًا.
وأول دير في برية شهيت “دير البراموس”، تسمى باسم قديسين شابين، هما مكسيموس ودوماديوس.. ومن أشهر السواح القديس الأنبا ميصائيل الذي وصل إلى درجة السياحة وهو في حوالي السابعة عشرة من عمره..
إن الله حينما شاء هزيمة جليات، هزمه بفتَى صغير.
فتى لا يعرف أن يلبس ملابس الحرب، لأنه لم يتعود عليها (1 صم 17: 38،39)، بل استخدم خمس حصوات ملساء من البرية. وهذا الصغير مسحه الرب ملكًا دون أخوته السبعة الكبار، وهكذا غني داود أغنيته المشهورة “صغيرًا كنت في إخوتي، ومحتقرًا عند بني أمي.. إخوتي كبار وسمان.. ولكن الله لم يسر بهم”..
“انظروا لا تحتقروا أحد هؤلاء الأصاغر” (متى 18: 10).
اهتمام الرب بالأطفال واضح جدًا في الكتاب المقدس، فهو الذي أقام طفلًا وسط تلاميذه وقال لهم “إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد، فلن تدخلوا ملكوت الله” (لو 18: 16، 17). وقال أيضًا “أحمدك أيها الآب.. لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال” (متى 11: 25). وقال “من أعثر أحد هؤلاء الصغار المؤمنين بي، فخير له أن يعلق في عنقه حجر الرحى ويغرق في لجة البحر” (متى 18: 6). أعرف باستمرار أن “الحرب للرب” (1 صم 17: 47)، و"ليس للرب مانع أن يخلص بالكثير أو القليل” (1 صم 14: 6).
ما أعظم المواهب الروحية والذهنية التي وهبها الله للصغار.
ما أكثر مواهبه للأطفال والفتيان. داود النبي مثلًا: وهبة الشعر والموسيقي. فكان رجل القيثار والمزمار والعشرة الأوتار، وهو بعد حدث صغير وكان يحسن الضر على العود، ويستطيع أن يبعد أن يبعد الروح النجس عن شاول الملك (1 صم 16: 23). وفوق كل ذلك كان رجل حرب وجبار بأس، وهو بعد فتي صغير..
والقديس الأنبا شنودة رئيس المتوحدين وهبه الله نضوجًا روحيًا وهو طفل صغير.
فكان يمار الزهد والصوم والصلاة وهو حدث صغير.. إنها موهبة إلهية تدل على اهتمام الله بالصغار. وهكذا كان أيضًا القديس مرقس المتوحد يصوم إلى الساعة التاسعة وهو طفل.
والقديس تكلا هيمانوت وهبه الله صنع المعجزات وهو طفل.
إنها ليست أمرًا موروثًا، وإنما هي هبة إلهية، ومواهب الله ليست قاصرة على الكبار، وإنما الصغار أيضًا يتمتعون بها. وما أكثرها في حياة القديسين الذين بدأوا حياتهم صغارًا، لأن نعمة الله شاءت أن تعمل فيهم في هذه السن المبكرة، كما عملت في أرمياء الذي لم يكن يعرف أن يتكلم لأنه ولد، وكما عملت في صموئيل الطفل، وفي سليمان وهو فتي صغير.
ونفس النضوج الروحي كان في السيدة العذراء وهي طفلة.
العمق في الصلاة وفي التأمل وفي دراسة الكتاب.. كل ذلك وهي طفلة صغيرة يتيمة تتربي في الهيكل.. وتسبحتها المشهورة (لو 1: 46 - 55) تدل على مدى حفظها للمزامير وآيات الكتاب.. كل ذلك وهي صغيرة السن. ولكنها نعمة الله العاملة في هذه الممتلئة نعمة، التي أختارها الله صغيرة، ولكن مملوءة بمواهبه.
لعل يوحنا المعمدان كان أيضًا أحد الأطفال الموهوبين.
والتفسير الوحيد لذلك هو قول الملاك المبشر عنه “ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس” (لو 1: 15).. وهكذا كان الروح القدس يعمل فيه وهو بعد في بطن أمه لذلك استطاع أن يرتكض وهو جنين في بطن أمه لها سمعت سلام العذراء، بل أنه ارتكض بابتهاج، وهو جنين في بطن أمه لما سمعت سلام العذراء، بل أنه ارتكض بابتهاج وهو جنين (لو 1: 41 - 44).
إن النضوج المبكر للأطفال الموهوبين، ليس له تفسير إلا موهبة الله الغنية التي تنسكب على الأطفال بغني لا يعبر عنه.
المهم أن المواهب التي يعطيها الله للأطفال، تعطيك رجاء، وتجعلك تكرر العبارة التي قالها رب المجد: “أحمدك أيها الآب.. لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال” (متى 11: 25)، “لأنه هكذا صارت المسرة أمامك”.
ماذا نقول عن النضوج المبكر لأثناسيوس وطفولته العجيبة؟ 🔗
ليس شيئًا سوى موهبة الله التي يمنحها للأطفال بغني مذهل، قد تحار فيه العقول البشرية، وتعللها بأسباب شتى.. ولكنها تستريح من حيرتها أن وضعت أمامها عبارتين، هما: “موهبة الله” و “محبة الله للأطفال”.
هو القديس أثناسيوس الذي لقبوه بالرسولي، وهو أصغر من جلس على كرسي مارمرقس، وهو أعظم من جلس على هذا الكرسي، وكان بطلًا عظيمًا من أبطال الإيمان، وهو بعد شاب. وصار بطريركًا وهو في حوالي الثلاثين. ووضع كتبًا عظيمة مثل “تجسد الكلمة” و"الرسالة إلى الوثنيين" وهو شاب صغير.
إننا نسعد جدًا، ونمتلئ بالرجاء، حينما نعرف أن نضوج الأطفال المبكر سببه موهبة الله ومحبته.
فالله الذي كان مع هؤلاء الأطفال وأعطاهم بغني من مواهبه، هو أيضًا قادر أن يعطينا. المهم أن نتضع ونصير مثل الأطفال حسب وصيته، ونقف أمامه فارغين.
نكتفي بهذه الأمثلة عن الصغار في السن، ونتكلم عن: الصغار في العدد.
يُمكنك قراءة كتاب حياة الرجاء على هاتفك الأندرويد عبر تطبيق كتب البابا، نزله من هنا .
28- الصغار في العدد 🔗
لقد اختار الله الصغار في العدد، لكي يبارك أو يصنع بهؤلاء الصغار عجبًا..
اختار الله الخمس خبزات والسمكتين ليصنع معجزة عظيمة.
إنه لم يحتقر هذه الكمية الصغيرة، إنما باركها، وأطعم بها خمسة آلاف من الرجال. وحتى هذا القدر الضئيل كان يحمله غلام صغير (يو 6: 9). وفي معجزة إشباع الأربعة آلاف من سبعة أرغفة كان معهم “قليل من صغار السمك” (مر 8: 7). وبهذا القليل، وبهذا القليل وبهذه الصغار، وأشبع الرب تلك الآلاف من الناس..
واختار الله هذه القلة الضئيلة، ليعطي رجاء لكل قلة ضئيلة.
أن الله يبارك القليل فيصير كثيرًا. إن العدد ليس هو المهم، إنما الأهمية كلها هي في البركة التي في هذا العدد. وبهذه البركة يصنع الله عجبًا.
ففي خدمتك لا تيأس من قلة مواهبك. وقل له “استخدمني لإطعامهم كأنني من صغار السمك”.
انظروا في مثل الزارع: ماذا قال الرب عن الزرع الذي كان في الأرض الجيدة؟ لقد قال:
“فأعطي ثمرًا: بعض مئة، وآخر ستين، وأخر ثلاثين” (متى 13: 8).
نحن نعقل يا رب أن الزرع الذي يعطي مئة هو زرع جيد. ولكن هل يقال كذلك عن الذي يعطي ستين؟ وهل يسمى جيدًا مَن يعطي ستين؟! وهل هذا الإنتاج الضئيل هو مقبول عند الله؟
ولعل الرب يجيب: ما دامت الأرض أعطت ثمرًا، إذن فهي أرض جيدة، حتى إن أعطت ثلاثين..
لذلك لا ييأس ولا يفقد الرجاء، أصحاب الثلاثين. إن الله يقبل هذا القليل منهم، مادام هذا هو جهدهم. ويبارك الرب هذا الجهد كأنه شيء كثير. انظروا ماذا نقول في أوشية القرابين:
أصحاب الكثير وأصحاب القليل. والذين يريدون أن يقدموا وليس لهم.
مجرد هذه الرغبة، حتى من غير عطاء، هي شيء مقبول عند الله، الذي لا يحتقر الشيء القليل. عجيب هو الرب في أحكامه، وفي قبوله للقليل. يذكرني هذا بقول أحد القديسين:
العنقود وإن كانت فيه حبة واحدة، لا تزال فيه ببركة.
ونفس المعنى كرره إشعياء النبي (اش 65: 8). إن الله يعمل في القليل، لكي لا نفتخر نحن بقوتنا، ونظن أننا ننتصر بالكثرة وليس بقوة الله، فيكسرنا هذا الفكر.
وهذا واضح من قصة الحرب التي دخلها جدعون بعدد قليل..
كان جدعون قد جمع من الشعب جيشًا كبيرًا من اثنين وثلاثين ألفًا ليحارب المديانيين. ولكن الرب قال له: “هذا الشعب كثير على لأدفع المديانيين بيدهم، لئلا يفتخر إسرائيل على قائلًا: يدي خلصتني” (قض 7: 2) وظل الرب يغربل هذا العدد الكبير حتى وصل إلى ثلاثمائة جندي فقط.
وبارَك الله في هذا العدد القليل، فانتصر على جيش المديانيين الذي كان منتشرًا كالجراد على الأرض. وماذا أيضًا:
لما أراد الرب الكرازة بالإنجيل اختار لذلك اثني عشر رسولًا فقط..
واستطاع هؤلاء -علي الرغم من قلتهم- أن يكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها (مر 16: 15)، وإلى أقطار المسكونة بلغت أقوالهم.
فلا تَقُل مطلقًا نحن قِلَّة. فإن الله يبارِك القليل فيصير كثيرًا.
من ثمانية أنفس فقط في الفلك، أعاد الله تكوين البشرية من جديد. ولم يختر لغرضه سوى هذا العدد الضئيل..
ومن ابن واحد هو إسحق، استطاع الله أن يأتي بنسل مثل نجوم السماء ورمل البحر في الكثرة..
وكما تحدثنا عن اهتمام الله بالصغير في السن، وبالقليل في العدد، ومباركته هذا وذاك، ننتقل إلى أخرى وهي: الاهتمام بالقليل في النوعية.
يُمكنك قراءة كتاب حياة الرجاء على هاتفك الأندرويد عبر تطبيق كتب البابا، نزله من هنا .
29- الاهتمام بالقليل في النوعية 🔗
لما شاء أن يهزم جليات الجبار، هزمه بحصاة ملساء في مقلاع صبي صغير هو داود.
فلا تفقد أنت رجاءك، ولا تقل مواهبي قليلة، وأنا صغير، ضئيل الشأن لست على مستوى قوة من يبغضونني. فلتكن حصاة صغيرة في مقلاع الرب. وليعمل الرب بك عملًا، مهما كان جهدك قليلًا.
لأن “الحرب للرب” (1 صم 17: 47). و"ليس لدى الرب مانع عن أن يلخص بالكثير أو القليل" (1 صم 14: 6).
أنظر كيف نشر الله ملكوته على الأرض.. إنه لم يختر لذلك جماعة من الفلاسفة أو العلماء أو الجبابرة بل اختار مجموعة من الصيادين البسطاء، وعمل فيهم وبهم.. وكما قال الرسول:
“اخْتَارَ اللهُ جُهَّالَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الْحُكَمَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ ضُعَفَاءَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الأَقْوِيَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ أَدْنِيَاءَ الْعَالَمِ وَالْمُزْدَرَى وَغَيْرَ الْمَوْجُودِ لِيُبْطِلَ الْمَوْجُودَ، لِكَيْ لاَ يَفْتَخِرَ كُلُّ ذِي جَسَدٍ أَمَامَهُ” (1 كو 1: 27 - 29).
ونحن نقف أمام هذه العبارة مبهورين..! قد تعبر في فهمنا كلمة الجُهَّال والضعفاء.. لكن ماذا عن المزدرَى وغير الموجود..؟! ما هذا العجب؟ كيف يمكن للرب أن يختار المزدرَى وغير الموجود؟!
لا شك أن هذه العبارة تحيي الرجاء في نفس كل إنسان، مهما كان ضعيفًا ومهما كان بلا مواهب وبلا إمكانيات وبلا قدرات من كل ناحية..
لذلك أن حوربت باليأس قل له: اعتبرني يا رب ضمن المزدرَى وغير الموجود، ولا تحرمني من العمل معك.. ليكن لي كيان قدامك، مع أنني في نظر نفسي وربما في نظر الناس مزدرَى وغير موجود..
ربما يظن البعض أن السيد المسيح لو كان قد جاء في أيامنا، لكان يختار أصحاب الشهادات العالية جدا وأساتِذَة البحوث!
كلا، صدقوني، لأنه لا يحب أن يفتخر كل ذي جسد أمامه، ولئلا تنسب البشارة إلى عقله البشري وليس إلى عمل الروح القدس. فلو كان المسيح جاء في أيامنا، ما كنت أستغرب أن يختار بعض من البسطاء كما فعل من قبل، أو مجموعة من عُمَّال التراحيل..
فليس مصدر القوة هو الإنسان وإنما روح الله العامل فيه.
والله يحب أن يستخدم الصغار، لكي لا يفتخروا، ولكي لا ييأس أحد من عمل الله فيه فلا يفشل أحد، ولا تصغر نفس إنسان ما.
الله نشر الكرازة باثني عشر رجلًا، وما كانوا أصحاب مواهب.
بل كانت غالبيتهم من الصيادين، إنما المهم هو عمل الله فيهم. والثالث عشر الذي هو بولس، لم يعتمد على الثقافة والمواهب، بل قال لأهل كورنثوس “وأنا لما أتيت أليكم أيها الأخوة، أتيت ليس بسمو الكلام أو الحكمة” (1 كو 2: 1). لماذا؟ يقول “ليس بحكمة كلام، لئلا يتعطل صليب المسيح” (1 كو 1: 17)، لئلا تحسب المسيحية فلسفة، أن ينسب نجاح الكرازة إلى الحكمة وليس إلى عمل النعمة.
إن باب الملكوت مفتوح للكل، وكذلك باب الخدمة..
ليس فقط للذين يقولون إنهم وصلوا إلى الملء، ويتكلمون بألسنة!! ولهم المواهب، ويرتعشون في الصلاة..! بل أن باب الملكوت مفتوح أيضًا أمام المبتدئ، الحديث في العمل الروحي، الذي لا يعرف أن يتكلم لأنه ولد (أر 1: 6).
فلا تظن أحد أنه إن لم يصعد إلى القمة في الروحيات، فهو لم يصل بعد إلى الله!
ولا تحتقروا أمثال هؤلاء الذين لم يصلوا إلى القمم. ولا تصغر نفوس هؤلاء، فإن الله يعمل في الكل، ويستخدم حتى “القليل من صغار السمك”..
وما أجمل العبارة المعزية التي قالها القديس يوحنا المعمدان:
إن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولادًا لإبراهيم (لو 3: 9).
وإلي مَنْ ترمز الحجارة؟ إلى صم بكم لا يتحدثون، بلا حركة وبلا حياة.. هؤلاء، الرب قادر أن يقيم منهم أولادًا لإبراهيم.
إذن لا تفقد رجاءك مطلقًا، مهما كنت بلا حياة. فأنت ولا شك أفضل من حجارة كثيرة..
أمامنا مثل آخر في ميلاد المسيح يدل على اهتمام الله بالصغار:
لقد وُلِدَ في مزود بقر، وليس في قصر ضخم. وولد في قرية صغيرة هي بيت لحم، وليس في المدينة العظمي أورشليم.
واستطاع أن يحاول المزود إلى مزار عالمي ومقدس من المقدسات الكبرى. أما بيت لحم فقال لها: من الآن فصاعدًا “لست الصغرى بين رؤساء يهوذا” (متى 2: 6). رفعها فوق بلاد كثيرة، ومنحها قيمة بميلاده فيها.
ولعل هذا يُذَكِّرنا بدعوة الرب لجدعون، الذي شعر بصغر نفس، لضآلة أصله وبلده فقال:
“هَا عَشِيرَتِي هِيَ الذُّلَّى فِي مَنَسَّى، وَأَنَا الأَصْغَرُ فِي بَيْتِ أَبِي” (قض 6: 15).
ولكن الرب كان يبحث عن هذا الأصغر، ليظهر مجد الله فيه.
لذلك لا تفقد رجاءك إن كنت صغيرًا. إن كنت مزودًا، أو قرية صغيرة، أو كنت الأصغر في بيت أبيك، أو إن كانت عشيرتك هي الذلَّى بين باقي العشائر..! إن الله قادر أن يعمل فيك، ويرفع شأنك فتصير شيئًا آخر ما كنت تفكر فيه..
إنه موقف يشجع الضعفاء والمساكين، الصغار و الأذلاء..
انظروا في اختيار موسى النبي، تروا موقفًا عجيبًا.. كان موسى “ثقيل الفم واللسان.. وليس صاحب كلام لا من اليوم ولا أمسًا، ولا قبلًا من أمس” (خر 4: 10).
ومع ذلك اختار الله هذا الثقيل الفم واللسان ليكون كليم الله..
لم ينزع منه هذا النقص، وإنما أرسل له هارون أخاه، لكي “يكون له فمًا “وقال الله لموسى: “وأنا أكون مع فمك، وأعلمك ما تتكلم به” (خر 4: 16، 12). وبهذا الإنسان الثقيل الفم واللسان، أذل الله فرعون..
إن قلة المواهب لا تعوق عمل الله، ولا تدعو الإنسان إن يفقد الرجاء في القدرة على القيام بالمسئوليات.. فباستمرار ثق بالله الذي قيل إنه “يعطي المعيي قدرة، ولعديم القوة يكثر شدة” (إش 40: 29).
إن الله يستخدم الصغار والضعفاء. وهنا نسأل سؤالًا: عندما قاد الله يونان النبي إلى التوبة والصلح معه، بماذا هداه؟
استخدم الله في هِداية يونان: الدودة، واليقطينة، والرياح والموج، وأشعة الشمس. فكانت كل منها تؤدي رسالة إلهية.. (يون 1، 4).
اليقطينة التي بنت ليلة هلكت، استخدمها الله في تحقيق مقاصده، وكذلك الدودة التي لا قيمة لها عند أحد!
قل له: احسبني يا رب دودة، احسبني يقطينة، احسبني موجة، احسبني شعاعًا. فلأكن أي شيء مهما كان تافهًا في ملكوتك، ولكن يصنع مشيئتك.
وإن كنت دودة لا تفقد رجاءك، سيكون لك دور عند الله.. وإن كنت يقطينة لا تصغر نفسك. سيأتي وقت تعطي فيه درسًا لنبي كيونان ويكتب اسمك في كتاب الله..!
يُمكنك قراءة كتاب حياة الرجاء على هاتفك الأندرويد عبر تطبيق كتب البابا، نزله من هنا .
30- اهتمام الله بالأشياء الصغيرة 🔗
اهتم بالأطفال، وتحدث عنهم بكل حب وتقدير..
كان يحتضنهم ويعطف عليهم ويقول “دعوا الأولاد يأتون إليَّ ولا تمنعوهم، لأن لمثل هؤلاء ملكوت السموات” (متى 19: 14). وأخذ ولدًا وأقامه في الوسط، وقال لتلاميذه “إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد، فلن تدخلوا ملكوت السموات. فمن وضع نفسه مثل هذا الولد، فهو العظم في ملكوت السموات. ومن قبل ولدًا واحدًا مثل هذا باسمي فقد قبلني” (متى 18: 2- 5).
واهتم بنفسيته هؤلاء الصغار، والبعد عن إعثارهم، فقال:
“مَنْ أعثر أحد هؤلاء الصغار المؤمنين بي، فخير له أن يعلق في عنقه حجر الرحى ويغرق في لجة البحر” (متى 18: 6).
إن الله يهتم بالصغار من كل نوع، سواء في سنهم، أو في حياتهم، أو نوعيتهم، عمومًا، أو في ضآلتهم وضعفهم. رعايته تشمل الكل.
لقد اهتم حتى بالقصبة المرضوضة وبالفتيلة المدخنة..
فقيل عنه في الإنجيل “قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة مدخنة لا يطفئ” (متى 12: 20). إنه يعطي رجاء لكليهما. فالقصبة المرضوضة قد تربط وقد تعصب. والفتيلة المدخنة قد يرسل لها ريحًا فتشعلها.
والشجرة التي لم تعط ثمرًا، أعطاها رجاء وفرصة أخرى.
فلما امتدت الفأس لتوضع على رأس هذه الشجرة، قال في حنوه “أتركها هذه السنة أيضًا، حتى أنقب حولها وأضع زبلًا. فإن صنعت ثمرًا، وإلا ففيما بعد تقطعها” (لو 13: 7-9). إنه لم يقطع الرجاء حتى بهذه التي استمرت ثلاث سنوات بلا ثمر.
وهو يعطي قيمة حتى للنملة الصغيرة، ويقدمها درسًا للبشر..
فيقول: “اذهب إلى النملة أيها الكسلان. تأمل طرقها وكن حكيمًا..” ونحن نقول: ما هي هذه النملة يا رب حتى تخلصها، وتمنحها هذه الطبيعة النشطة، وتضرب بها المثل فيما وهبتها إياه من نشاط ومهارة وقدرة..؟! وكأن الله يجيبنا ويقول:
لا تظنوا أني فقط خالق التنانين، وإنما أيضًا خلقت الحشرات والهوام وأرعَى هذه وتلك.. وأهتم حتى بالعصافير التي يباع اثنان منها بفلس واحد. وأعطي طعامًا لفراخ الغربان التي تدعوني (مز 147: 9). عجيب هو الرب الذي يخلق هذه الأشياء الصغيرة ويهتم بها. بل يهتم حتى بالدودة التي تسعى تحت حجر، وبالزنبقة الأشياء التي يلبسها أفضل من سليمان في كل مجده (متى 6: 29).
إنه يضرب لنا مثلًا للإيمان ولملكوت السموات بحبة الخردل التي هي أصغر جميع البذور.
فيقول يشبه ملكوت السموات حبة خردل أخذها إنسان وزرعها في حقله، وهي أصغر جميع البذور. ولكن متى نمت فهي أكبر البقول، وتصير شجرة، حتى إن طيور السماء تأتي وتتآوى في أغصانها” (متى 13: 31-32).
ويقول أيضًا “الحق أقول لكم لو كان لكم إيمان مثل حبة الخردل، لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك فينتقل. ولا يكون شيء غير ممكن لكم” (متى 17: 20).
إذن لا تفقد رجاءك ولو كان إيمانك صغيرًا كحبة الخردل.
إنه يمكن أن ينمو ويصير شجرة تتآوى إليها الطيور. والله يقبل هذا الإيمان ويباركه. وأيضًا..
في الإيمان والملكوت يضرب مثلًا بخميرة صغيرة تخمر العجين كله.
فيقول: “يشبه ملكوت السموات خميرة أخذتها امرأة ووضعتها في ثلاثة أكيال دقيق حتى اختمر الجميع” (متى 13: 33). وقد تذكر بولس الرسول هذا المثل فقال لأهل غلاطية: “خميرة صغيرة تخمر العجين كله” (غل 5: 9). إذن لا تفقد رجاءك مهما كان إيمانك قليلًا، ومهما كان عملك ضئيلًا، فالله يقبل القليل ويباركه ليصير كثيرًا.
إن الرب قد أعطى في ملكوته رجاءً حتى للعُرْج والجُدْع..
فقال لعبده بعد أعد الوليمة “أخرج عاجلًا إلى شوارع المدينة وأزقتها. وأدخل إلى هنا المساكين والجدع والعرج والعمي” (لو 14: 21).
بل قال أيضًا كوصية: “إذا صنعت ضيافة فادع المساكين الجدع العرج العمي. فيكون لك الطوبى إذ ليس لهم حتى يكافئوك” (لو 13: 13). فإن حوربت بفقد الرجاء، تذكر هؤلاء الذين ليس لهم، والذين قبلهم الرب بدون مقابل..
هنا ونذكر ملاحظة هامة في معجزة الخمس خبزات والسمكتين:
إن الله اهتم بالكِسَر، فأمر بجمعها، وحملها الرسل..
لعلك تقول ليتني كنت خُبزة في يد الرب، يباركها ويطعم بها الألوف، وهكذا يمكنني أن أصلح لشيء في الخدمة! أقول لك: حتى لو لم تكن خبزة، وكنت مجرد كسرة ملقاة على الأرض لم تجد من يأكلها. ستسمع قول الرب “اجمعوا الكسر وسيأتي وقت تستطيع فيه أن تشبع الآخرين.
إذن إن كانت أعمالك الروحية ضعيفة، قل له في اتضاع: أدخلني يا رب مع المساكين والجدع والعرج والعمي إلى ملكوتك. وكما اهتممت بجمع الكسر في معجزة الخمس خبزات والسمكتين، اعتبرني أنا أيضًا من هذه الكسر، ليأخذني رسلك معهم في سلالهم وقففهم. أنا يا رب من هذه الكسر. اجمعني في سلتك المباركة.
لا تظن أنه يجب أن تصعد إلى أعلى، لكي تقابل الله.
بل انك كلما شعرت أنك لا شيء، ولا استحقاق لك على الإطلاق. وهبط قلبك أسفل، فهناك تلتقي بالله.
وهكذا كلما نزلت إلى أسفل صعدت إلى أعلي.
حقًا الإنسان يصعد في هبوطه، ويهبط في صعوده.
وقد قال الرب في ذلك “كل من يرفع نفسه يتضع. ومن نفسه يرتفع” (لو 13: 11).
لقد ضرب لنا ثلاثة أمثلة في اهتمامه بالصغار في الأصحاح الخاص بقبوله للتائبين وبحثه عنهم (لو 15).
رجوع الابن الضال بانسحاق قلب، قابله الرب بفرح كبير ومكافآت عديدة.. ثم ماذا عن الخروف الضال؟ من ذا الذي يستطيع أن ينظر إلى حظيرة فيها مائة خروف فيلمح أنها مجرد 99، ويبحث عن الواحد الناقص إلى أن يحمله على منكبيه فرحًا، بل من ذا الذي يهتم بدرهم واحد مفقود، ويظل يبحث عنه حتى يجده، ويفرح بوجوده ألا يعطيك هذا رجاء في عمل الله من أجلك! هو يبحث عنك، إن لم تبحث أنت عنه..
ومن اهتمام الله بالصغار، اهتمامه بقرية بيت لحم الصغيرة.
هذه التي قال لها الوحي الإلهي “وأنت يا بيت لحم.. لست الصغرى بين رؤساء يهوذا، لتكوني قدسًا ومكانًا للميلاد المجيد..”
ومن اهتمامه بالصغار، اختاره ليئة المكروهة العينين (تك 29: 17، 33).
ليئة هذه التي كانت صغيرة القدر والمكانة بالنسبة إلى أختها راحيل، هي التي اختارها الرب لتكون أمًا ليهوذا سبط الملوك، وأمًا للاوي سبط الكهنوت، وجدة للمسيح، فأتي من نسلها ولم يأت من نسل راحيل..
بل اختار الرب راحاب الزانية وكذلك ثامار ضمن سلسة الأنساب، واختار راعوث الموآبية ضمن سلسة الأنساب أيضًا (متى 1: 3، 5).. بل اختار مريم المجدلية التي كان عليها سبعة شياطين لتكون مبشرة للرسل (مر 16: 9، 10). بل أنه اختار التراب ليجعل منه صورته ومثالة. فلا تيأس إذن من عمل الله معك واختياره لك..
إنه “المقيم المسكين من التراب، والرافع البائس من المزبلة، ليجلسه مع رؤساء شعبه” (مز 112).
إذن الله قادر أن يقيمك مهما كانت حالتك، بل يرفعك أيضًا لتجلس مع رؤساء شعبه أليس هو الذي لا يحتقر قصبة مرضوضة، ولا فتيلة مدخنة، يأمر بتشجيع صغار النفوس، وأن نسند الضعفاء وتتأني على الجميع” (1 تس 5: 15). بل ما أجمل قول الكتاب “قوموا الأيادي المسترخية والركب المخلعة” (عب 12: 12)، حتى إن كنت من هذا النوع، سوف لا يهملك الله، بل سيرسل لك من يقومك..
بل خُذ مثال اهتمامه بالعصفور، كرمز لاهتمامه بك.
إنه يقول “أَلَيْسَ عُصْفُورَانِ يُبَاعَانِ بِفَلْسٍ؟ وَوَاحِدٌ مِنْهُمَا لاَ يَسْقُطُ عَلَى الأَرْضِ بِدُونِ أَبِيكُمْ” (إنجيل متى 10: 29). فالذي يهتم بالعصفور لا شك يهتم بك أيضًا. ولذلك يقول بعدها مباشرة “وأما أنتم فحتى شعور رؤوسكم جميعها محصاة. فلا تخافوا، أنتم أفضل من عصافير كثيرة” (متى 10: 30).
ويعجب الرب بالعصافير في إيمانهم بأن الله يقوتها ويقول في ذلك “انظروا إلى طيور السماء. إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن. وأبوكم السماوي يقوتها (متى 6: 26). وهكذا يذكرها ويضرب بها مثلًا لنا، هي “وفراخ الغربان التي تدعوه” (مز 147: 9).
إنه يهتم بالدودة التي تَسْعَى تحت حجر، ويعطيها طعامها..
كم بالأولى أنت، يعطيك طعام الروح، وطعام الروح، وطعام الجسد أيضًا. أليس الإنسان أفضل من ديدان كثيرة؟! الدودة الصغيرة استخدمها الله ليعطي درسًا ليونان النبي حينما أعدها الله لتضرب اليقطينة (يون 4: 7). حسن أن هذه الدودة ذكرت في الكتاب المقدس، وهي تؤدي رسالة تؤول إلى توبة نبي.
يُمكنك قراءة كتاب حياة الرجاء على هاتفك الأندرويد عبر تطبيق كتب البابا، نزله من هنا .
31- الله يهتم بالعمل الصغير 🔗
إنه لا ينسَى كأس الماء البارد الذي تقدمه لعطشان.
وقد قال في ذلك: “من سقي أحد هؤلاء الصغار كأس ماء بارد فقط باسم تلميذ، فالحق أقول لكم إنه لا يضيع أجره” (متى 10: 42؛ مر 9: 41).
مجرد كأس ماء بارد، لم تتعب فيه، ولم يكلفك شيئًا، هذا لا يضيع أجرة إذن لا تيأس إن كانت أعمالك.
هناك أعمال أنت تعملها وتنساها لضآلتها. والله لا ينساها. حتى إن كانت في نظرك بلا قيمة، هي عند الله لها قيمتها، ويكافئك عليها في اليوم الأخير. وحسن إنك نسيتها لتأخذ أجرها كاملًا هناك.
لقد مدح الرب ملكة التيمن لمجرد أنها زارت سليمان.
وقال: “ملكة التيمن ستقوم في (يوم) الدين مع هذا الجليل وتدينه، لأنها أنت من أقاصي الأرض لتسمع حكمة سليمان , وهوذا أعظم من سليمان ههنا” (متي12: 42). وبنفس الوضع مدح أرملة صرفة صيدا لأنها استضافات إيليا النبي في وقت المجاعة (لو 4: 25، 26).
ولم ينس الرب زيارة نيقوديموس، مع أنها لا كانت ليلًا وبخوف..
وسمح أن تسجل هذه الزيارة في الإنجيل (يو3). وهذا الإيمان الخائف المتخفي الذي كان لنيقوديموس، باركه الرب ونماه حتى سمح له أن يكفنه وصار نيقوديموس من مشاهير المسيحيين فيما بعد، وصار جنديًا صالحًا في ميدان الخدمة..
ولم ينس الرب لزكا مجرد صعوده على الجميزة ليراه.
ربما لم يحس زكا أن هذا عمل كبير يكافأ عليه من الرب. ولكن الله الذي يهتم بكل عمل مهما كان صغيرًا، وقف ونادي زكا، ودخل بيته. وقال له: “اليوم حدث خلاص لأهل هذا البيت إذ هو أيضًا ابن لإبراهيم” (لو 19:9).
هل كان يخطر على بال زكا أن الرب سيقدر صعوده إلى الجميزة كل هذا التقدير؟! أم هو الرب الذي يهتم بالعمل مهما كان صغيرًا.
إنه لم ينس مطلقًا عبارة اتضاع تلفظت بها المرأة الكنعانية.
وطوبها قائلًا لها “عظيم هو إيمانك. ليكن لك كما تريدين وشفي ابنتها في تلك الساعة” (متى 15: 28)، مع أنهم كانوا في البرية متذمرين وقساة القلوب. قال لشعبه:
“قد ذكرت لك.. ذهابك ورائي في البرية” (أر 2: 2).
قال هذا على الرغم من أخطاء هذا الشعب في البرية، وعلى الرغم من تذمره وجحوده.. ولكن مجرد خروجه وراء الرب ليعبده في البرية لم ينسه الرب.
وقال لتلاميذه: “أنتم الذين ثبتم معي في تجاربي” (لو 22: 28).
مع أن ثباتهم كان ضعيفًا، هؤلاء الذين لم يستطيعوا أن يسهروا معه ساعة واحدة (متى 26: 40) والبعض منهم خاف وهرب. ساعة القبض عليه، وبطرس أنكره ثلاث مرات، ولم يقف معه عند الصليب سوى واحد فقط هو يوحنا، إلا أن مجرد سيرهم وراءه وتمسكهم به كمعلم لهم، كل هذا الذي كان في نظرهم شيئًا بسيطًا لم ينسه الرب مطلقًا. وبنفس الأسلوب:
وامتدح الرب الذين جاءوا في الساعة الحادية عشرة.
مع أنهم جاءوا في آخر النهار، ولم يعملوا سوى ساعة واحدة. ولكنه مع ذلك قبل منهم هذه الساعة، وأعطاهم أجره كالباقين. ولم يرفض هذه الساعة، بل امتدحها. على الأقل تدل على أنهم مثمرون وقادرون على العمل.
وكما قَبِلَ القليل من هؤلاء، قبل أيضًا فلسي الأرملة.
ومدحها، وقال إنها أعطت أكثر من الجميع، لأنها أعطت من أعوازها (مر 12: 44). وقد يكون الفلسان شيئًا تافهًا. ولكن الإعطاء من العوز هو شيء كبير جدًا عند الله أيًا كانت الكمية المعطاة.
لذلك إن صليت مجرد دقائق من أعوازك، يقلبها الله..
إن ضاق بك الوقت جدًا، ولم تجد -مرغمًا- سوى لحظات ترفع فيها قبلك إلى الله، فلا تصغر نفسك، ولا تفقد رجاءك إذ لم تستطيع أن تصلي كما ينبغي! إن الله يفحص القلب ويعرف ظروفك، وهل الأمر عن إهمال أو لا مبالاة أم أنك تعطي من أعوازك في الوقت.
كانت صلاة العشار قصيرة، جملة واحدة، وقبلها الله..
وخرج هذا العشار مبررًا دون الفريسي (لو 18: 9-14) لأنه كان يصلي من قلبه، وبانسحاق، ولا يجرؤ أن يرفع نظره إلى فوق. فكانت الجملة الواحدة التي قالها، هي عند الله كثيرة الثمن جدًا وغالية عليه. ولم يطالبه الله ببرنامج روحي طويل فوق مستواه، كما يفعل القديسون. بل اكتفي الرب بانسحاق العشار..
كذلك فإن الله قبل من اللص اليمين توبة قدمها في آخر ساعات حياته (لو 23: 43) ورضي من السامرية بما اعتبره اعترافًا، مع أنها لم تشرح كل شيء.. (يو 4). وطوب وكيل الظلم -علي الر غم من أخطائه- لمجرد اهتمامه بمستقبله (لو 16: 8).
لا تيأس إن كان عملك الروحي ضعيفًا وثمرك قليلًا.
لا تقل “لا فائدة. أنا لم أعمل شيئًا” وتيأس بسبب ذلك. واعلم أن الله لا ينبس أي عمل بسيط، ربما تكون أنت قد عملته ونسيته. إنه لم ينس لملكة التيمن أنها سافرت لتسمع حكمة سليمان. وبسبب هذا العمل الذي يبدو بسيطًا، قال إنها ستقوم في يوم الدين وتدين ذلك الجيل (متى 12: 42).
انظر في اهتمام الرب بالعمل الصغير، قول القديس ذهبي الفم:
إن الله يجول طالبًا سببًا لخلاصك، ولو دمعة واحدة..
حقًا إن الرب يرضى بالقليل مادام بروح طيبة، ومادام الإنسان اعجز من أن يفعل أكثر. ويأخذ الرب هذا القليل وينمه ويجعله كثيرًا. فلا تيأس، ولا تجعل الشيطان يحاربك قائلًا: ماذا فعلت؟! هوذا الله يطلب منك الكمال (متى 5: 48)!
نعم إن الله يطلب الكمال، ولكنه لا يطلب منك أكثر مما تقدر عليه.
إنه يضع في حسابه لك: إمكانياتك وظروفك. وهو يقبل منك التدرج… المهم أن تكون سائرًا في الطريق، وليس أن تكون وصلت إلى نهايته. وهو يعطيك فرصة ويطيل أناته عليك، لكي يقودك إلى التوبة.
ولكن طول أناة الله لا يجعلنا نتهاون ونتكاسل!
وثمرنا القليل لا يعني أن نرضي به ونكتفي! كلا وإنما نجاهد وننمو، ولكن في رجاء، غير يائسين، بل طالبين من الله أن يقوي ضعفنا، ويمنحنا النعمة والمعونة لكي نعمل في كل حين ما يرضيه..
يُمكنك قراءة كتاب حياة الرجاء على هاتفك الأندرويد عبر تطبيق كتب البابا، نزله من هنا .
- الجزء 1: الرجاء | كتاب حياة الرجاء - كتب البابا شنوده الثالث
- الجزء 2: حياة الرجاء يلزمها الثقة | كتاب حياة الرجاء - كتب البابا شنوده الثالث
- الجزء 3: أمور تساعد على الثقة | كتاب حياة الرجاء - كتب البابا شنوده الثالث
- الجزء 4: قصة يوسف الصديق | كتاب حياة الرجاء - كتب البابا شنوده الثالث
- الجزء 5: خطية آدم والموت والأمراض | كتاب حياة الرجاء - كتب البابا شنوده الثالث
- الجزء 6: تجربة أيوب والتجارب عموماً | كتاب حياة الرجاء - كتب البابا شنوده الثالث
- الجزء 7: كلمات في الرجاء ، وأنا أريحكم ، وفشل الالتجاء إلى غير الله | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 8: الله هو حَلاَّل المشاكل ، وكيف تأتي إلى الله ، ويريد الجميع يخلصون | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 9: يَطْلُبَ مَا قَدْ هَلَكَ ، مثال شاول الطرسوسي ، مِثال عذراء النشيد | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 10: زيارات النعمة للجميع ، مثال الزارِع ، الله يصالحنا معه | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 11: قصة يونان النبي | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 12: الشركة مع الله | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 13: الشركة مع الله | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 14: لا تحتقروا أحد هؤلاء الصغار | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 15: أعطانا وصايا في مستوى احتمالنا | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 16: مَنْ ردهم الرب إلى أرضهم؟ | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 17: مَنْ ردهم إلى أرض الأحياء بالتوبة | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 18: أردكم إلى الأرض الجديدة ، دون أن نطلب | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 19: نعم الله العظيمة | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 20: الرؤى والظهورات | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 21: مواهب العهد الجديد | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 22: كرم الله في عطاياه | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 23: في الدعوة الإلهية | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 24: العطاء والإيمان | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 25: الله يعمل معنا | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 26: نوعيَّة الانتظار للرب | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 27: لا تلجأ إلى الطرق البشرية | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 28: إلى متى ننتظر؟ | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 29: الله العطوف | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 30: نصائح في مساندة الضعفاء | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 31: الله الذي يبدأ | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 32: نهاية أمر خير من بدايته | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 33: الطفل موسى | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 34: الأرض الخربة | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 35: العاقر ، قصص معونة ، كل شيء مستطاع | كتاب حياة الرجاء
- الجزء 36: أبصرت بابًا مفتوحًا في السماء | كتاب حياة الرجاء