كل المقالات كتب الله العطوف | كتاب حياة الرجاء

الله العطوف | كتاب حياة الرجاء

· · 1574 كلمة · 8 دقيقة قراءة
كتاب حياة الرجاء ▹

53- الله العطوف 🔗

حقًا أن الله يحب أن يكون الإنسان قويًا في شخصيته، قويًا في حياته الروحية، قويًا في احتماله، في خدمته، في فهمة، في كل شيء.

ولكنه مع ذلك هو إله الضعفاء أيضًا.

يسندهم في ضعفهم، يشجعهم ويقويهم، ولا يتركهم.. بل عن مثل هؤلاء، قال السيد المسيح “روح السيد الرب علي. لأن الرب مسحني لأبشر المساكين، أرسلني لأعصب منكسري القلب، لأنادي للمسبيين بالعتيق، وللمأسورين بالإطلاق.. لأعزي كل النائحين… لأعطيهم جمالًا عوضًا عن الرماد، ودهن فرح عوضًا عن النوح، ورداء تسبيح عوضًا عن الروح اليائسة” (أش 61: 1-3).

نعم إنه يسند هؤلاء اليائسين والمنكسرين والنائحين. ويقول عنه:

معين مَنْ ليس له معين، ورجاء من ليس له رجاء.

عزاء صغيري النفوس، ميناء الذين في العاصف. أي انه ميناء السلامة للذين في سفن تتقاذفها الأمواج والعواصف.. كما حدث للتلاميذ، في يوم ريح شديدة وكانت. سفينتهم في وسط البحر معذبة من الأمواج. فأبصروه قادمًا إليهم ماشيًا على الماء وقال لهم “أنا هو، لا تخافوا”.. وسكنت الريح (مت 14: 24 - 32).

حقًا إنه معين من ليس له معين، وكمثال ذلك:

شفاؤه مريض بيت حسدا الذي له إنسان يلقيه في البركة..

حينما تقف وحيدًا، وليس لك إنسان يهتم بك، ستجد الله حتمًا إلى جوارك حينما تهرب من عيسو الجبار الذي يريد أن يقتلك، حينئذ ستري لسمًا بين السماء والأرض، صوت الله يطمئنك قائلًا “ها أنا معك، وأحفظك حيثما تذهب..” (تك 28: 15). حينما يطاردك فرعون حتى إلى البحر، وتصغر نفسك، سيشق لك الله في البحر طريقًا.. لا تصغر نفسك أمام الشدائد. وإن صغرت، اسمع قول الرسول:

شجعوا صغار النفوس، اسندوا الضعفاء” (1 تس 5: 14).

كذلك أنت، إن رأيت إنسانًا حائرًا يائسًا منهارًا، لا تستصغره. وإن رأيته ساقطًا، لا تحتقره، وقل له كلمة ترفع معنوياته، أعطه كلمة رجاء. افتح له طاقة من نور تضئ له الطريق.

يا أخي إن كنت على قمة الجبل، فلا تحتقر الذين على السفح أو في الوادي، أو حتى الذين في المستنقع.. وإن أعطاك الرب نعمة ووصلت، فلا تنظر إلى الناس من فوق، ولا تحتقر الذين لم يصلوا. أو حتى اليائسين وصغار النفوس. بل تذكر قول الرب:

انظروا. لا تحتقروا أحد هؤلاء الصغار” (مت 18: 10).

مهما وصلت إليه حالتهم، فالله قادر أن يقيمهم، كما أقام من قبل أوغسطينوس وبيلاجية وموسى الأسود. حتى إن كان شجرة غير مثمرة، وعلى وشك أن تقطع، فإن الكرام الحنون يشاء أن يتركها هذه السنة أيضًا، وينقب حولها ويضع زبلًا، فريما تأتي بثمر فيما بعد (لو 13: 6-9).. إنه إلهنا الطيب الذي قيل عنه:

قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة مدخنة لا يطفئ (مت 12: 20)

ربما يعصب القصبة المرضوضة فتستقيم، وينفخ في الفتيلة المدخنة فتشتعل..

إن الله يعطي فرصة لكل أحد. لأنه لا يشاء موت الخاطئ، بل أن يرجع ويحيا (حز 18: 23، 32).. وطالما الإنسان على قيد الحياة، لا تزال أمامه فرصة للتوبة، ولا يفقد الرجاء. فاللص اليمين آمن وعاد إلى الله، وهو في الساعات الأخيرة من حياته على الأرض.. لقد كان هو أيضًا قصبة مرضوضة.

عبارة جميلة معزية قالها ربنا يسوع المسيح وهي:

ما جئت لأدين العالم، بل لأخلص العالم (يو 12: 47).

ليست في فمي كلمة دينونة، بل كلمة حب، كلمة خلاص ومغفرة.. بل الدينونة التي عليكم أنتم، سأحلها أنا بدلًا منكم، وأمحوها عنكم بدمي.. حقًا يا رب فمك حلاوة وكله مشتهيات (نش 5: 16). تقول ما جئت لأدين، بينما الدينونة كلها للابن! (يو 5: 22).


يُمكنك قراءة كتاب حياة الرجاء على هاتفك الأندرويد عبر تطبيق كتب البابا، نزله من هنا .


54- أمثلة من عطف الله 🔗

إن البشرية الضعيفة المسكينة الساقطة، سندها الله بالأنبياء.

حتى عندما رفضوه. أتى ليجتذبهم إليه.. عندما تركوه، وحفروا له آبارًا مشققة لا تضبط ماء (أر 2: 13)، لم يتركهم بل حدثهم عن ينبوع المياه الحية.. ولما عبدوا العجل الذهبي، وقالوا هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر (خر 32: 4).. لم يفنهم الرب، بل رجع عن حمو غضبه، وقبل شفاعة موسى النبي فيهم.. ولا يزال الرب يصبر ويحتمل، ويقيم الساقطين ويحل المربوطين (مز 145).

في صغر نفسك قد تيأس من خلاصك!

ولكن الله لا ييأس من اجتذابك إليه.

لقد جاء يطلب ويخلص ما قد هلك (لو 19: 10). سعي وراء العشارين والخطاة وجلس على موائدهم. وقال “ما جئت لأدعو أبرارًا بل خطاة إلى التوبة”، “لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضي” (لو 5: 31، 32).. مدح العشار الذي لم يجرؤ أن يرفع عينيه إلى فوق، وقد وقف من بعيد.. وفضله على الفريسي، وخرج من عنده مبررًا (لو 18: 13، 14).

حتى المرأة الخاطئة المضبوطة في ذات الفعل.

المرأة الغارقة في الخزي وصغر النفس، التي اجتمع، حولها الكتبة والفريسيون ليرجموها.. أنقذها الرب من هؤلاء، وقال لها “ولا أنا أدينك. اذهبي ولا تخطئ أيضًا” (يو 8: 3-11).

وكذلك الخاطئة التي بللت قدميه بدموعها، ومسحتهما بشر رأسها، رفع معنويتها، وفضلها على الفريسي، وقال إن خطاياها الكثيرة قد غفرت لها (لو 7: 37 - 47).

من أجل معرفة داود النبي، بحنان الله الذي يشجع صغار النفوس، قال له في توبته:

اغسلني، فأبيض أكثر من الثلج (مز 50).

وعبارة “أكثر من الثلج “توضح مدى غني حنان الله على الخطاة، حتى قال عنه المرتل في مزموره الجميل المعزي “باركي يا نفسي الرب، ولا تنسي كل حسناته..” قال: “كما يتراءف الأب على البنين، يتراءف الرب على خائفيه”، “لم يصنع معنا حسب خطايانا، ولم يجازنا حسب آثامنا. لأنه مثل ارتفاع السموات فوق الأرض، قويت رحمته على خائفيه. كبعد المشرق عن المغرب، ابعد عنا معاصينا.. لأنه يعرف جبلتنا يذكر أننا تراب نحن” (مز 103: 10- 14).

إن الله ليس فقط يغفر لنا خطايانا، بل يقول:

“ولا أذكر خطيتهم بعد” (أر 31: 34).

يقول عن الخاطئ التائب “كل معاصيه التي فعلها لا تذك عليه” (حز 18: 22) “كل خطيته التي أخطأ بها لا تذكر عليه” (حز 33: 16). ويقول بولس الرسول عن عمل الفداء “إن الله كان في المسح مصالحًا العالم لنفسه، غير حاسب لهم خطاياهم” (2 كو 5: 19). ويقول المرتل في المزمور “طوبي للذي غفر إثمه وسترت خطيته. طوبي لرجل لا يحسب له الرب خطية” (مز 32: 1، 2). ويكرر القديس بولس الرسول هذه الآية في رسالته إلى رومية (رو 4: 8).

فالذي يصيبه صغر نفس بسبب خطاياه، فليتذكر أنها لا تحسب عليه في توبته.

الله يمحوها في التوبة، ولا يعود يذكرها “إن كانت خطاياكم كالقرمز، تبيض كالثلج” (اش 1: 18). بل أكثر من الثلج (مز 50).

ولنأخذ مثالًا لبطرس الرسول الذي أنكر المسيح:

بل أنه أخذ “يلعن ويحلف أني لا أعرف هذا الرجل الذي يقولون عنه” (مر 14: 17) (مت 26: 74). ونسي قوله للسيد “وإن شك فيك الجميع، فإنا لا أشك”، “اضطررت أن أموت معك لا أنكرك” (مر 14: 29، 31) (مت 26: 33، 35).. وهوذا الآن وقد أنكره ثلاث مرات.. لذلك وقع في صغر النفس، وبكي بكاءً مرًا (مت 26: 75).

ولكن الرب لم يترك تلميذه بطرس لصغر النفس، بل شجعه بأساليب كثيرة.

فبعد القيامة قال للمريمات “اذهبن وقلن لتلاميذه ولبطرس أنه يسبقكم إلى الجليل هناك تروني” (مر 16: 7). ولم يدمج بطرس وسط التلاميذ، لأنه كان محتاجًا إلى اهتمام خاص ليرفع نفسيته بعد إنكاره… ولما ظهر السيد المسيح لسبعة من تلاميذه عند بحر طبرية، قال لبطرس “أتحبني أكثر من هؤلاء؟ أرع غنمي.. أرع خرافي..” (يو 21: 15-17). ليظهر له أنه لم يسقط من درجته الرسولية بإنكاره له.. بل إن بولس الرسول يقول عن ظهورات الرب بعد قيامته، أنه ظهر لصفا ثم للاثني عشر (1 كو 15: 5).

وبالمثل فعل الرب مع توما في شكه.

كانت نفسه أصغر من أن تؤمنون أن تري.. كل التلاميذ آمنوا، ما عداه فلم يتركه الرب إلى شكه وصغر نفسه، بل ظهر له وأراه جروحه. وقال له “هات يدك وضعها في جنبي. ولا تكن غير مؤمن بل مؤمنًا” فآمن توما وقال “ربي وإلهي” (يو 20: 27، 28).

لننظر معاملة الرب لموسى الثقيل الفم واللسان (خر 4: 10).

كان موسى يعرف عن نفسه هذا الضعف، وأنه لا يصلح بسببه وقد قال للرب “لست أنا صاحب كلام، منذ أمس ولا أول من أمس، ولا من حين كلمت عبدك” (خر 4: 10). وقال له أيضًا “ها أنا أغلف الشفتين، فكيف يسمع لي فرعون” (خر 6: 30). ولكن الله شجعه، ولم يتركه لصغر النفس.

بل إن هذا الأغلف الشفتين صار كليم الرب.

وقال له اذهب الآن، وأن أكون مع فمك، وأعلمك ما تتكلم به”. وها هو هارون أخوك “تكلمه وتضع الكلمات في فمه. وأنا أكون مع فمك ومع فمه. وأعملكما ماذا تصنعان… هو يكون لك فمًا، وأنت تكون له إلهًا” (خر 4: 12-16).

كذلك شجع الله صغار السن، والخائفين من المسئولية:

لما قال أرميا “إني لا أعرف أن أتكلم لأني ولد “قال له الرب “لا تقل إني ولد.. لا تخف من وجوههم، لأني أنا معك لأنقذك يقول الرب “ومد الرب يده ولمس فم ارميا وقال له “ها قد جعلت كلامي في فمك. انظر. قد وكلتك هذا اليوم على الشعوب وعلى الممالك، لتقلع وتهدم، وتهلك وتنقض، وتبني وتغرس” (أر 1: 6-10). ثم شجعه بالأكثر وقال له “هأنذا قد جعلتك اليوم مدينة محصنه وعمود حديد وأسوار نحاس على كل الأرض… فيحاربونك ولا يقدرون عليك، لأني أنا معك يقول الرب لنقذك” (أر 1: 18، 19).

وبنفس الوضع شجع الرب يشوع بعد موت موسى.

لم يكن سهلًا علي يشوع أن يملأ المكان الكبير الذي كان يشغله موسى النبي العظيم، لذلك كان صغيرًا في عيني نفسه. ولكن الرب شجعه قائلًا:

“لا يقف إنسان في وجهك كل أيامك. كما كنت مع موسى، أكون معك. لا أهملك ولا أتركك. تشدد وتشجع.. أما امرأتك. تشدد وتشجع. لا ترهب ولا ترتعب، لأن الرب إلهك معك حيثما تذهب” (يش 1: 5-9)..

قصة عن القديس الأنبا ايسيذيروس قس القلالي:

قيل عنه في البستان: إن أي أخ كان يفشل الآباء في إصلاحه ويطردونه كان الأنبا ايسيذيروس يأخذه ويطيل أناته عليه حتى يخلص. ولذلك فإن الأنبا موسى، حينما جاء إلى الدير، وكان منظره مخيفًا، حولوه إلى القديس ايسيذيروس احدي عشرة مرة. فلما نصحه بالذهاب إلى قلايته، أجاب: “لا أستطيع يا معلم”، لأن الأفكار كانت تضغط عليه بشدة.

وأطال القديس أناته عليه، حتى تحول موسى الأسود إلى قديس.


يُمكنك قراءة كتاب حياة الرجاء على هاتفك الأندرويد عبر تطبيق كتب البابا، نزله من هنا .

كتاب حياة الرجاء ▹
مشاركة: