الإحتمال | كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث
- الجزء 1: كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث
- الجزء 2: الغضب الخاطئ الباطل | كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث
- الجزء 3: أنواع ودرجات الغضب | كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث
- الجزء 4: الإحتمال | كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث
- الجزء 5: أسباب الغضب | كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث
- الجزء 6: علاج الغضب | كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث
الفصل الرابع : الإحتمال
- أقوال الآباء في الإحتمال .
- أقوال متفرقة لبعض الآباء .
- أمثلة لقديسين إحتملوا .
- الإحتمال الحقيقي .
- الإحتمال يظهر بالتجربة .
- شكلية تحويل الخد الآخر .
أقوال الآباء في الإحتمال 🔗
القديس الأنبا أنطونيوس يرى الاحتمال فى عدم الرد ، وفى حفظ القلب ، وضبط النفس ، والتشبه بالسيد المسيح ، فيقول :
ارفض الرد على مَنْ يبغضك . ولا تفكر فى قلبك بالشر ، ولا تقاتل أحداً ، وإن إستفزك باطلاً فلا تغضب .
وقال : تشبّه بالسيد المسيح ، فإنه لما شُتم لم يَشتم عوضاً ( 1 بط 2 : 23 ) .
- القديس الأنبا أنطونيوس
وقال أيضاً : لا تحزن ولا تتألم ولو قليلاً على شىء لهذه الدنيا . ولا تقلق إذا شتمك جميع الناس … بل إحزن بالحرى إذا عملت ما يستوجب الشتيمة .
- القديس الأنبا أنطونيوس
والقديس الأنبا باخوميوس يدعو أيضاً إلى التشبه بالمسيح ، وإلى عدم الحزن بسبب الإفتراء عليك . فيقول :
إن إفترى أحد عليك ، فلا تفترِ أنت عليه . بل إفرح واشكر الله . وقال : [ لا تحزن إذا إفترى الناس عليك ، بل إحزن بالحرى إذا أخطأت إلى الله ] . وقال كذلك : [ إذا رذلك الناس وافتروا عليك فلا تحزن ، لأن ربك دُعى ضالاً ، وبعلزبول وبه شيطان ، ولم يتذمر ( يو 7 : 20 ) . فاقتن لك وداعة قلب ، وأذكر أن ربك وإلهك سيق كخروف للذبح ولم يفتح فاه .. ( إش 53 : 7 ) .
- القديس الأنبا باخوميوس
والقديس برصنوفيوس يرى أن عدم الإحتمال يدل على بقاء الإنسان العتيق ، كما أننا به نحزن الإخوة ونعثرهم ، ونفقد حلاوة الحياة الروحية والوداعة والهدوء … فقال :
مَنْ لا يحتمل التبكيت والإهانة ، فإن الإنسان العتيق لايزال حيّاً فيه بعد ..
وقال : إذا إتفق وشتمك إنسان ، وأتاك الفكر أن ترد عليه ، قل لفكرك : إن أنا رددت عليه أحزنته وأعثرته ، فلا أصبر أنا قليلاً ، والأمر يجوز بسلام ..
وقال أيضاً : كن وديعاً بقلبك . واذكر الخروف الوديع وكم صبر ، على الرغم من أنه لم تكن له خطية ، لكنه إحتمل الشتم والضرب وسائر الأوجاع حتى الموت … لذلك إتعب وجاهد لكى يبعد عنك الغضب والحرد بمعونة الله الحق ، بمعونة المسيح الذى أحبك .
وقال كذلك : إذا لم يكن الإنسان جلداً صبوراً ، فلن يستطيع أن يعيش مع الناس فى هدوء وسلام . قال الرسول : « صرت هع الكل مثل الكل ، لأربح الكل » ( 1 كو 9 : 22 ) . هذه هى طريق المسيح ، لأنه بكل وداعة وسكون جاء ليخلص الناس …
وقال : كل مَنْ لا يحتمل الشتيمة ، فلن يبصر التسبحة … وكل مَنْ لا يترك الغضب ، فلن يتذوق حلاوة الحياة . فاحرص بكل قوتك أن تكون غريباً عن الغضب . ولتكن قدوة ومثالاً لمنفعة الكل ، ولا يَدنْ أحداً ، ولا تحكم على أحد .
- القديس برصنوفيوس
وقال القديس برصنوفيوس أيضاً : إن كنت تريد السلوك فى طريق الله ، فليكن عندك الذين يضربونك مثل الذين يكرمونك ، ومهينوك مثل مادحيك ، والمفترون عليك مثل مباركيك ، ومحزنوك مثل مفرحيك . وهكذا كان أبا مقاريوس يقول : [ إن كنت تعتبر الإهانة كالشرف ، واللوم كلمديح ، والفقر كالغنى ، فلن تموت ] …
- القديس الأنبا برصنوفيوس
و بنفس الأسلوب تقريباً تحدّث الأنبا بفنوتيوس .
حدث أن مضى إليه ثلاثة إخوة وسألوه كلمة ، فقال لهم : إمضوا وليكن عندكم الحزن أفضل من الفرح ، والتعب أفضل من النياح ، والإهانة أفضل من الكرامة . وليكن عطاؤكم أكثر من أخذكم .
- القديس بفنوتيوس
قال القديس يوحنا الأسيوطى : مَنْ إقتنى الصبر يرتاح فى ضيقاته . والذى ليس له طول روح يتضايق ..
- القديس يوحنا الأسيوطى
مار أوغريس يرى أن الإحتمال يأتى بالسكوت ، مع تنقية القلب من إرضاء النفس ، ومن محبة مجد الناس . فيقول :
الذى يحتمل الإهانة بشجاعة ، فإنه يرتفع على الحكم . لأن داود لم يجاوب الذى شتمه ، بل صبر على فرية ذاك ( 2 صم 166 : 10 ) . كذلك أنت لا تشتم شاتمك …
إحتمل الشتيمة ، فإن الإحتمال هو الذى ينميك و يزيدك فى الفضيلة . إغلق باب شفتيك . الذى هو باب الغضب . والذين يغضبونك لا تجاوبهم بالجملة ، لكى بسكوتك تهدىء شفتى الذى شتمك . إذا ما ألجمت فمك ، غلبت الشاتمين الغاضبين عليك . وإذا ما سكتّ ، فإنك لا تضر من الشتيمة ، و يندم أولئك بسبب سكوتك .
إذا ما إحتملت الشاتم بطول روح ، فانزع من قلبك مجد الناس ، لكى تطرح عنك الفكر الذى يجعلك تتظاهر بالفضيلة . وتحفّظ من أن تهتم بمرضاة نفسك — ولا سيما فى خلوتك — لئلا يرفعك الفكر بالأكثرء ، وتستهين بالذى قسّى قلبه عليك .
إننى أعرف واحداً من الإخوة إحتمل شتمة ظلم من إنسان خائف من الله . فلما مضى إلى قلايته فرح وحزن . ففرحه كان لأنه شُتِم ظلماً ولم يقلق . وحزنه كان على الأخ الخائف الله الذى أضلته الشياطين . والشيطان الذى أضل ذلك الأخ فرح هو أيضاً وحزن . فرح لأجل خسارة الأخ الذى أضله . وحزن لأنه لم يقدر أن يقلق الأخ المشتوم .
- القديس مار أوغريس
ويرى مار إسحق أن الاحتمال دليل على الرحمة ، وأنه يُطهّر القلب ، ويعطى الانسان دالة عند الله ، كما تفرح به ملائكته . و ينال عزاء ههنا على
الأرض ، على الرغم من التعب الذى يحتمله . كما أنه يتوج في الملكوت بتاج لا يفنى . وق ذلك كله يقول :
حقيقة الرحمة تتبيّن بالصبر على الظلم .
الصبر الاختيارى على الظلم يُطهّر القلب .
اصبر على التحقير ، مع الإتضاع بفكر وقصد الفضيلة ، لتفوز بدالة القلب عند الله .
مَنْ يصبر على المسبات الواردة إليه باتضاع . فقد بلغ الكمال . وإن الملائكة يفتنون به عجباً . لأنه لا توجد فضيلة أشرف من هذه ولا أكبر ، وهى عسرة التثقيف .
مَنْ قدر على إحتمال الظلم بفرح … فإن هذا قد قبل العزاء من الله تعالى عسوساً ، بتوسط إمانه دائماً به .
كل كلمة قاسية صعبة يحتملها الإنسان بإفراز ، من غير سبب ذنب ، أما فى ذلك الوقت فإنه يقبل إكليل شوك من أجل المسيح . وطوباه لأنه يتوج - فى وقت لا يشعر به - بتاج لا يلم به فساد .
- مار إسحق
إن القديس الأنبا يوسف يرى أن الشخص الذى يحتمل هو الأقوى ، فيقول :
الرجل الأقوى هو الذى يُمكنه أن يخضع لإرادة غيره .
والذى يُخضع إرادته الخاصة لإرادة أخيه ، يكون أقوى من الذى يكون متمسكاً بإرادته . لأن الأول باحتماله وصبره على قريبه ، تتكون له شخصية قوية وشديدة . بينما الآخر تكون شخصيته ضعيفة مريضة تريد أن تُرفّه وتتدلل .
ولا يظن المُحتمِل أنه قد فقد شيئاً من كماله ، على الرغم من أنه تنازل عن شىء من حزمه . ولكنه من الناحية الأخرى قد ربح كثيراً من فضيلة الإحتمال وطول الأناة ، لأنه هكذا قال الرسول : « يجب علينا نحن الأقوياء أن نحتمل ضعفات الضعفاء » ( رو 15 : 1 ) وقال أيضاً : « إحملوا بعضكم أثقال بعض . وهكذا تمموا ناموس المسيح » ( غل 6 : 2 ) . لأن الضعيف لا يُمكن أن يسند ضعيفاً .
ونلاحظ أن طبيعة الضعفاء هى هكذا دائماً : إنهم سريعون فى تصرفهم ، ومستعدون لتوبيخ الآخرين وبذر بذور العراك ، بينما لا يقدرون على إحتمال أقل إساءة .
- القديس الأنبا يوسف
والقديس مار افرام السريانى يرى أن الضعيف محتاج إلى مَنْ يحتمله ، وإن إحتمال الأمور الصغيرة تدريب لإحتمال الأمور الكبيرة وحمل الصليب ، فيقول :
إن كنت ما تحتمل محنة صغيرة ، فكيف تحتمل الكبيرة ؟! وإن كنت ما تحتمل إهانة ، فكيف تحمل صليبك ؟! وإن كنت لا تحتمل صليبك ، فكيف ترث المجد فى السموات مع القائلين : « من أجلك نمات كل النهار ، حُسبنا كغنم للذبح » ( رو 8 : 36 ) . أشاء أن أسكت أيها الحبيب من أجل خزى وجهى . ولكن وجع قلبى يضطرنى أن أتكلم :
يا حبيبى إحمل الضعيف . فإن القوى ما يحتاج إليك .
فقد كتب إن الأقوياء لا حاجة لهم إلى طبيب . بل الذين حالتهم سيئة . فأنتم أيها الأقوياء ، إحملوا ضعف الذين لا قوة لهم .
- القديس مار افرام
وقال مار افرام أيضاً : مَنْ يشأ أن يعيش فى كل موضع عيشة سلامية ، فلا يطلب نياحه ( راحته ) ، بل نياح رفيقه بالرب . وهكذا يجد النياح ( الراحة ) .
- القديس مار افرام
والقديس يرى أن الإحتمال قوى ، وأن الطريق إلى مصادقة الله ، هو عدم إحزان أحد من البشر ، فيقول :
[ مَنْ إحتمل عدوه عند شتمه إياه فهو قوى وحكيم . أما مَنْ لا يحتمل الشتيمة ، فلا يحتمل الكرامة كذلك . لأن الشتيمة أقل ضرراً من الكرامة ] .
وقال أيضاً : إن شئت أن تصادق الله ، فلا تُحْزِن أحداً من الناس ، حتى لو أكثر الإساءة إليك ، بل أترك الأمر لله . أما إذا صادقت الله فسوف يقوم الكل عليك ، ويجعلون عقبهم على رأسك . وأخيراً إكليلاً من ياقوت يضعون عليك ، وتاجاً ملوكياً على رأسك .
- القديس الأنبا تيموثاوس
والقديس الأنبا إشعياء ، يرى أن الإنسان يحتمل إهانة الغير ، ويطلب منه المغفرة ، ولا يلومه فى قلبه . لذلك يقول :
إذا وجه إليك إنسان كلمة قاسية ، فلا تشمئز أو يستكبر قلبك . ولكن بادر واصنع مطانية . ولا تلمه فى قلبك ، وإلاَّ فالغضب يثور عليك …
إن إفترى أحد عليك بشىء لم تصنعه ، فلا تجزع ولا تغضب ، بل إتضع واصنع مطانية . وسواء كنت قد فعلت أو لم تفعل ، ففى كلا الحالين قُل : إغفر لي .
وقال أيضاً : فلنتحمل تعيير إخوتنا إذا هم رذلونا ، لكى نتخلص من العظمة .
- القديس الأنبا إشعياء
والأنبا نيلس السينائى يرى أنه ممكن تسوية كل المسائل بدون غضب ، وينبغى أن نسامح الآخرين ليسامحنا الله ، فيقول :
لا يوجد غضب على الإطلاق ضد أخيك يُمكن تبريره . فإن تأملت تجد أن المسألة يمكن أن تسوى تماماً بدون غضب . لذلك إبذل كل جهدك لكى لا يتحرك فيك الغضب .
وقال أيضاً : دع المدين الذى كانت عليه عشرة آلاف وزنة يعلمك أنه إن لم تسامح مدينك ، فسوف لا يسامحك الله . لأنه قيل « فغضب عليه وسلمه للمعذبين » ( مت 18 : 34 ) .
- الأنبا نيلس السينائى
وقال القديس برصنوفيوس : مادام قلبك يتحرك بالغضب وبالحقد وبسائر الأوجاع العتيقة ، فلن تدخل فيه الحكمة …
وقال : إن الرسول يقول « إننا بأحزان كثيرة ينبغى أن ندخل إلى ملكوت السموات » ( أع 14 : 22 ) . فالذى يطلب النياح فى كل شىء ، فليسمع « إنك أخذت خيراتك فى حياتك » ( لو 16 : 25 ) .
- القديس برصنوفيوس
أقوال متفرقة لبعض الآباء 🔗
قال القديس أوغسطينوس : مَنْ يرغب أن ينال معونة إلهية من أجل ضعفه ، ينبغى أن يحتمل ضعف الآخرين ، و يعينهم على قدر إمكانه .
قال شيخ : حامل الأموات يأخذ الأجرة من الناس . وحامل الأحياء ( أى المحتمل ) يأخذ الأجرة من الله .
قال القديس مرقس الناسلك : علامة المحبة غير المتصنعة هى مغفرة الإساءات .
قال القديس غريغوريوس : إن كنت غير مذنب إلى الله ، فلا تغفر للمذنبين إليك . وإن كنت تعلم أنك مذنب فسلّف الرحمة وقدمها قدامك . فإن الله يضاعف الرحمة للرحومين .
سأل أخ شيخاً : [ إنى أريد أن أستشهد من أجل الله ] فأجابه [ مَنْ إحتمل رفيقه فى وقت الشدة ، فذاك قد أصبح داخل أتون الثلاثة فتية .
قال أنبا يوحنا القصير : كن ساكناً بين إخوتك مثل ميت عادم كل غضب ، لأن من الغضب تأتى الخطية .
قال شيخ : لو إحتمل الإنسان أخاه قليلاً وقت حرده وغضبه ، ثم عاد ذاك بعد قليل إلى نفسه ، وعرف كيف إحتمله أخوه ، فإنه يضع نفسه من أجله .
قال أنبا أور : إن وقع بيتك وبين أخيك حزن ، وجحد ما قاله فيك ، فلا تلاججه . وإلاَّ فمصيره أن يتقح ويقول [ نعم أنا قلت ] …
قال شيخ : إستعد كل حين لأن تقبل الأتعاب والشدائد مع الضيقات الآتية عليك . ولا تصغر نفسك ، بل إقتنِ لك صبراً ، وثبّت أفكارك قائلاً : [ إن هذه إنما أتت علىَّ بسبب خطاياى ] . فإن صنعت هكذا ، فإن معونة الله ونعمته تدركك سريعاً .
قال أنبا زينون : ليس شىء يصيرنا مثل الله سوى عدم الحقد ، وأن نكون بلا شر قبالة الذين يسيئون إلينا .
وقال القديس يوحنا ذهبى الفم : إن أردت ألاَّ يتأتى لك حزن ، فلا تُحزن إنساناً ما .
من أقوال أنبا إشعياء تلميذ مار إسحق .
ثلاث فضائل قال إنها تعطى نوراً للذهن على الدوام وهى : أن لا نعرف شراً عن أحد من الناس ، وأن نصنع الصلاح مع الذين يؤذوننا ، وأن نحتمل ونصبر على ما يأتى إلينا من الأعداء .
وبعد ما حذّر من المحارنة وقيام الهوى الذى هو ثمرة العظمة ، حرض على الإتضاع لأنه قال : إعدد نفسك لتحمل الإهانة ، وتهدئة قلوب المعتدين عليك ، وتواضع للذين يطلبون أن يتكبروا عليك . واقْتّنِ سكوناً بإفراز ، وسلاماً حصيناً الذى هو الإتضاع .
وإذا ما أُهنت من إنسان ، اغصب نفسك على ألا تحارنه أو تكافئه بالمثل ، حتى إن كنت قد قاسيت منه شروراً فى دفعات كثيرة . فإذا ما صنعت هكذا ، يهرب منك شيطان العظمة والغضب ، وتمتلىء من نور النعمة والتواضع .
أمثلة لقديسين إحتملوا 🔗
تاريخ القديسين حافل بقصص الإحتمال ، بل إن كان القديسين قد إحتملوا ، ولكننا نود أن ننتقى هنا بعض أمثلة نقدمها للإحتمال ، والمثال الأول منها يعطى صورة عن الرغبة فى إقتناء فضيلة الإحتمال …
1 - مثال لإحتمال امرأة بارة :
قصّ الأنبا بيامون هذه القصة عن الفائدة التى نجنيها من الخطاة . وسنوردها هنا باختصار ( كما نشرها يوحنا كسايان ) :
امرأة من أسرة غنية ذهبت إلى القديس الأنبا أثناسيوس ، وطلبت منه امرأة لتعينها . فأوصى أن يقدموا لها أحسن أرملة فى الهدوء والطاعة والخدمة … إلخ . وفعلاً ذهبت الأرملة إلى منزلها وخدمتها أحسن خدمة . فرجعت المرأة البارة إلى القديس أثناسيوس وقالت له : [ إننى أردت أرملة تعيننى ] . فلما تأكد أنهم أعطوها أفضل امرأة ، عندئذ فكّر فى الأمر وقال هم سراً : أعطوها أسوأ أرملة .
فقدموا لها أرملة مشهورة بالشجار والشتائم وكثرة الكلام وخلق المشاكل …
فأحضرتها إلى منزلها ، وكانت تخدمها وتصبر على معاملتها . وهذه تثور وتشتمها وتتمرد عليها وتقول لها : [ إنكِ أخذتينى من الراحة إلى التعب بدلاً من إراحتى ] . وكانت تتمرد عليها . وتطور الأمر حتى كانت تمد يدها إليها …!
كل ذلك وهى صابرة ببشاشة . وتعلمت كيف تنتصر على الغضب ، ليس بمقاومتها ، وإنما بالخضوع لها بأكثر إتضاع .
وهكذا عندما نالت فضيلة الصبر التى إشتاقت إليها ، ذهبت إلى الأسقف وشكرته . وقالت له : [ إنك أعطيتنى حقاً امرأة لتعيننى وتشددنى . أما الأولى فكانت تكرمنى بالأكثر وتدللنى بخدماتها ] .
وقد إختتم أنبا بيامون هذه القصة بقوله : [ هذا مثال كاف قيل عن جنس المرأة ، حتى أننا بهذه القصة لسنا نتثقف فحسب ، بل بالأكثر نخزى لأننا لا نستطيع أن نحفظ الصبر ، إلاَّ إذا لجأنا إلى المغارات والقلالى …! وهو بهذه العبارة يقصد النوع الخاطىء من التوحد .. أما التوحد الحقيقى فيقصده إنسان ناجح فى الإحتمال والصبر . ولكنّه يبغى التفرغ للعبادة والتأمل .
2 - مثال القديس الأنبا بفنوتيوس :
كان الأنبا بفتوتيوس قديساً عظيماً سار بسرعة عجيبة فى الطريق الرهبانى ، وأصبح موضع ثقة الجميع وإعجابهم . واعتبره الشيوخ كواحد منهم ، وهو لايزال شاباً .
من أجل هذا حسده أحد الرهبان ودبّر له مكيدة :
ذلك أنه فى أحد أيام الآحاد ، إنتهز فرصة وجوده فى الكنيسة ، ودخل قلايته ودسّ فيها مخطوطة تحت السعف . ثم ذهب هذا الراهب إلى الكنيسة . وبعد إنتهاء الصلاة شكا إلى الأنبا إيسيذيروس - فى مجمع الرهبان كلهم - أن مخطوطته قد سرقت منه ، ولا يدرى مَنْ أخذها . فتملكت الدهشة جميع الرهبان . وتعجبوا كيف يُمكن أن يحدث أمر فظيع مثل هذا فى الاسقيط ، أن تُسرق مخطوطة راهب منه ؟!
وعهد القديس الأنبا إيسيذيروس إلى ثلاثة من الشيوخ بتفتيش القلالى ، بينما بقى الرهبان فى الكنيسة . وأخيراً عثر على المخطوطة فى قلاية الأنبا بفنوتيوس . وكان ذلك موضع دهشة الجميع .
ولم يدافع الأنبا بفنوتيوس عن نفسه ، وإنما طلب من الرهبان بدموع كثيرة أن يصلوا من أجله .
كما طلب أن تفرض عليه عقوبة ، و يعطى قانوناً للتوبة . ومرّ أسبوعان على الأنبا بفنوتيوس فى تذلله ، وهو يحضر إلى الكنيسة دون أن يدخل ، وإما يتضرع إلى الداخلين بدموع أن يصلوا عنه …
أما الأخ الذى دسّ له المكيدة ، فقد صرعه روح نجس .
وفى صرعه كشف الأمر على حقيقته . وقد صلى عليه القديس الأنبا إيسيذيروس الذى كانت له موهبة إلهية عظيمة فى إخراج الشياطين ، إلاَّ أن الشيطان الذى صرعه لم يفارقه . وكانت هذه هى الحالة الوحيدة التى لم يستطع فيها الأنبا إيسيذيروس اخراج شيطان !
وذلك أن الرب كان قد أعد هذه المناسبة ليرفع بها وجه عبده القديس بفنوتيوس الذى هو برىء ، إحتمل التهمة فى إنسحاق وهدوء . فصلى الأنبا بفنوتيوس على الشاب ، فخرج منه الشيطان .
3 - إحتمال القديس يوحنا القصير :
فى إحدى المرات دُعى أنبا يوحنا إلى الكنيسة . فاجتمع حوله الإخوة وسألوه أسئلة من جهة أفكارهم . فقال له واحد من الشيوخ : [ إنّك يا يوحنا تشبه امرأة فاجرة تزين نفسها لكى يكثر عشاقها . هكذا أنت ] . فتنهد أنبا يوحنا وقال [ بالصدق هكذا يا أبى ] . وبعد ذلك سأله شيخ يحبه : [ ألم تضطرب من الداخل ؟ ] . فقال له : [ كلا ، بل كما أنا فى الخارج ، هكذا كنت فى الداخل ] .
قال أنبا يوحنا القصير : دفعة لما كنت ذاهباً فى طريق الاسقيط ببعض الليف ، سمعت الجمال يقول لى كلمات . كان قد أوشك أن يجعلنى بها أغضب ، ولكنّنى للتو تركت الليف وهربت …
وحدث مرة أنه كان جالساً مع الإخوة قدام الكنيسة ، وكان كل منهم يكشف له أفكاره . فنظر أحد الشيوخ وامتلأ حسداً عليه ، فقال له : [ يا يوحنا ، إنك ممتلىء سحراً ] . فأجابه [ الأمر هكذا كما تقول يا أبتاه ، ولكن إن كان هكذا حكمك علىَّ مجرد ما نظرته فى الظاهر . فما عساك كنت تقول لو علمت أيضا ما عندى فى الخفاء ؟! ] ..
4 - إحتمال القديس موسى الأسود :
أراد رئيس الأساقفة البابا ثاؤفيلوس أن يمتحن الأنبا موسى الأسود عند رسامته قساً . فقال للكهنة : [ إذا جاء الأنبا موسى إلى المذبح ، فاطردوه لنسمع ماذا يقول ] . فلما دخل إنتهروه وطردوه قائلين : [ اخرج يا نوبى إلى خارج الكنيسة ] . فخرج الأنبا موسى وهو يقول : [ حسناً فعلوا بك يا رمادى اللون يا أسود الجلد . وحيث أنك لست إنساناً ، فلماذا تحضر مع الناس ؟! ] .
ولما رأوا إحتماله أعادوه إلى الكنيسة ، فعاد بهدوء دون أن يتذمر ..
5 - قصة راهب عمّال :
طلب أحد الرهبان مِمَّنْ يسكنون البرية مكاناً لنفسه ، فجاء إلى دير من أديرة الصعيد . وكان سكان ذلك الدير كلهم قديسين . فبعدما أقام عندهم أياماً ، قال رئيس الدير: ( صلِّ علىَّ يا أبى ، واخلِ سبيلى ، فإنى لست أريد البقاء ههنا ] .
فسأله الرئيس [ لأى شىء يا ابنى ؟ ] .
فأجابه قائلاً : [ إنه لا يوجد ههنا تعب ، والآباء كلهم قديسون . وأما أنا فإنى إنسان خاطىء ، أريد أن أمضى إلى موضع حيث أُهان وأُشتَم . لأنه بالإزدراء والإهانة يخلص الخطاة ] . فتعجب منه الأب ، وعلم أنه عمّال . فأخلى سبيله قائلاً : [ امضِ وتقوَّ ] …
6 - قصص متفرقة من سير الآباء :
لما زار الأنبا أمونيوس القديس أنطونيوس ، أخرجه خارج القلّاية ، وأراه صخرة عظيمة ، وقال له : [ إشتم هذه الصخرة واضربها ] . ففعل كما أمره . فقال له القديس أنطونيوس : [ هل تكلمت الصخرة ؟ ] فقال [ لا ] . فقال له [ إنك تستطيع أن تكون هكذا فتخلص ] .
قيل عن الأب الكبير إيسيذيروس قس الاسقيط : إن كل مَنْ كان عنده أخ صغير النفس أو شتّام أو عليل ، و يطرده من عنده ، كان القس إيسيذيروس يأخذه إلى عنده ، و يطيل روحه عليه ، ويخلّص نفسه .
سأل أخ الأنبا إسيذيروس : [ لماذا تخافك الشياطين جداً ؟ ] . فقال الشيخ [ لأنى منذ ترهبت ، جاهدت كثيراً ألا اسمح للغضب أن يدخل إلىّ ] ..
قصد الأب يوحنا السريانى أناسٌ أشرار خبثاء . فأخذ ماء فى طست وغسل أقدامهم . فما كان منهم إلاَّ أن إحتشموا من إكرامه لهم وتابوا .
سكن شيخ مع إخوة . واعتاد أن يقول لهم عن الشغل دفعة واحدة . فإذا لم يفعلوه ، قام هو وعمله بدون غيظ .
سأل اخوة الأنبا أرمانيوس قائلين : [ ماذا يجب أن نتدبر؟ ] . فأجابهم الشيخ [ لا أتذكر أنى سألت فى وقت من الأوقات إنساناً أن يعمل شيئاً ، ما لم أسبق فأجعل فى خاطرى أنى لا أغضب متى خالفنى ولم يعمل بما قُلتَه له . وهكذا عشنا عمرنا كله بسكون وسلام ] .
أخ أغضبه أخوه . فلما دخل قلايته إستحى أن يصلى إلى الله بسبب الوجع المتقد فى قلبه . ولكنّه لما تطارح قدام الله قائلاً : [ يا سيدى ، قد غفرت لأخى من كل قلبى ] للوقت جاءه صوت يقول له : [ قد أخذت شبهى . إذن صلِّ لى بدالة ] ..
أحد محبى الجهاد فى النسك رأى رجلاً يحمل ميتاً على نعش ، فقال له : [ أتحمل ميتاً ؟ إذهب واحمل الأحياء ] .
ذهب بعض الشيوخ إلى شيخ كان يسكن البرية ، لكيما يكشفوا له أفكارهم و ينتفعوا بمعرفته . فوجدوا شباناً كانوا يرعون الغنم خارج قلايته . وكانوا يقولون بعضهم لبعض كلاماً لا يليق . فقال الشيوخ لهذا الشيخ المتوحد : [ يا أبانا ، كيف إنك لم تأمر هؤلاء الشبان أن يكفوا عن الشتائم ؟ ] فقال لهم الشيخ : [يا إخوتى ، صدقونى ، لقد أردت مرات عديدة أن آمرهم . ولكنِّى وبخت نفسى قائلاً : إن كنت لا تستطيع أن تحتمل هذا الأمر الصغير ، فكيف يمكنك أن تحتمل تجربة أقسى إن أتت عليك ؟! ] . ولذلك لم أقل لهم أيّة كلمة قط ، حتى يصير هذا الأمر مُذَكِّراً لى أنه ينبغى أن أحتمل الأشياء التى تصادفنى …
الإحتمال الحقيقي 🔗
ليس الاحتمال هو مجرد السكوت على الإهانة ، أو الصبر على الضيقة . فهذا مجرد إحتمال خارجى ينبغى أن يكون معه الإحتمال الداخلي .
وكثيرون يقولون بألسنتهم ألفاظ إحتمال ، أو ألفاظ إتضاع ، بينما يكون داخلهم بركان ثائر متقد . ولا تكون قلوبهم قد إحتملت ، ولا تكون أفكارهم هادئة .
والبعض يثور ويقول إننى صريح لا أخفى ما أبطن .
ويقول : [ إن ما فى قلبى ، يخرج على لسانى ] . وحسن جدا أن يكون صريحاً . ولكن ليس حسناً أن يثور . والواجب أن يجعل داخله هادئاً ، ليتفق مع الهدوء الخارجي . ويدرب قلبه على الاحتمال ، ليكون محتملاً من الداخل ومن الخارج معاً .
الاحتمال الحقيقى . هو أن يحتمل الانسان بلا تذمر ، وبلا تضجر ، وبلا غضب وبلا حزن .
ويحتاج الأمر إلى تدريبات كثيرة ، سنذكرها إن شاء الله فى الفصل الأخير من هذا الكتاب الخاص بعلاج الغضب . كما يحتاج الأمر إلى فضائل يتصف بها الانسان ، وتساعده على الاحتمال الحقيقى غير الزائف .
الاحتمال ينبغى أن يكون بمحبة .
وكما قال الكتاب : « المحبة تحتمل كل شىء . المحية لا تحتد ولا تقبّح … » ( 1 كو 13 : 6 ، 7 ).
وقيل أيضاً : « المحبة تستر كثرة من الخطايا » ( 1 بط 4 : 8 ) « المحبة تستر كل الذنوب » ( أم 10 : 12 ) . والاحتمال الصادر عن الحب هو إحتمال راسخ وغير مظهرى . مثاله إحتمال الأم لطفلها ، واحتمال الأب الروحى لأخطاء أبنائه .
وينبغى أن يكون الإحتمال باتضاع وبفرح :
وفى ذلك يقول القديس مار أوغريس [ محب المجد الباطل إذا شُتم يحزن . أما المُتضِع فهو يحتمل بفرح ] .
ومع الإتضاع لا يوجد تذمر ، ولا شعور بالظلم ، بل يوجد شعور باستحقاق الألم . و يفرح الإنسان المتضع إذ يحسب الإهانة التى حدثت له مثابة المجازاة ، كما شعر داود حينما أهانه شمعى بن جيرا وشتمه وشمت به ( 2 صم 16 : 10 ) .
ولا يكون الاحتمال الحقيقى تظاهراً ، وإنما من عمق القلب .
وفى ذلك قال القديس مار افرام السريانى [ مَنْ يُوبَّخ فيصمت بتخابث ، يخبىء فى ذاته حقداً . أما مَنْ يجاوب بوداعة سلامية ، فيكون غير حقود ] . وقال القديس الأنبا يوسف :
[ الإحتمال التصنعى كثيراً ما يثير الغضب بأكثر مهارة من الكلمات . والصمت المغيظ يفوق أكثر الشتائم بشاعة فى تأثيره ] .
وحسناً قال عنه النبى « كلماتهم ألين من الزيت ، إلاَّ أنها كالنبال » ( مز 55 : 21 ) . وعن مثل هذا يمكن أن يُقال أيضاً « بفمه يكلم صديقه بالسلام . ولكنه يصنع له الفخاخ سراً » ( إر 9 : 8 ) . وهنا لا يكون الصمت إحتمالاً ، ولا تكون الكلمات الهادئة محبة ، وإنما تخفى إنتظاراً لفرصة الإنتقام .
الإحتمال يظهر بالتجربة 🔗
لا يمكن أن يوصف الانسان بأنه محتمل ، إلاَّ إذا تعرّض لأسباب تدعو إلى الغضب أو التضايق والتذمر ، وإجتاز ذلك بهدوء وبسلام قلب ، دون أن يخطئ .
وقد شرح ذلك القديس بيامون ( فى المقابلة 18 ) وقال :
إن الصبر لا يكون مستحقاً للمديح والإعجاب ، عندما يكون الهدوء محفوظاً ، في حالة عدم التعرض لسهام الأعداء . ولكنه يكون عظيماً ومجيداً ، إذا ما هبت
عليه عواصف التجربة وبقى غير متزعزع … وفى ذلك يكون قد تشدد بالأكثر ومن الواضح أنه لا يمكن أن يُدعى أحد صبوراً ، إلاَّ إذا إحتمل بدون تضايق كل الإهانات الموجهة إليه . ولذلك ليس باطلاً أن يمدحه سليمان قائلاً : « الرجل الصبور أفضل من الجبار . والذى يكبح غضبه ( مالك روحه ) خير مِمَّنْ يأخذ مدينة » ( أم 16 : 32 ) . وأيضاً « الإنسان الكثير الإحتمال ( بطىء الغضب ) هو كثير الفهم . أما قصير الروح فهو غبى جداً » ( أم 14 : 29 ) .
لأن قوة أى إنسان ليست أهلاً للمديح ، إن قد نال صفة حسنة بسبب أنه لم يُجَّرب . كما أنه بالتأكيد لا يوجد محل للإنتصار ، حيث لا يوجد صراع ولا حرب . لأنه « طوبى للرجل الذى يحتمل التجر بة ، لأنه إذا تزكّى ينال إكليل الحياة ، الذى وعد به الله الذين يحبونه » ( يع 1 : 12 ) .
وتحويل الخد الآخر لا يدل على إحتمال ، إن كان ذلك بشكلية غير نابعة من شعور قلبى حقيقى . وإنما هى مظهرية فى حرفية تنفيذ الوصية .
شكلية تحويل الخد الآخر 🔗
يشرح هذا الأمر القديس الأنبا يوسف ( فى المقابلة 16 مع كاسيان ) فيعرض لنا نوعين من هذه الشكلية هما :
(أ) إنسان يستفز آخر بكلمات حتى يغضبه ويثيره لضربه . فإذا ما لُمس بأقل لطمة ، يسرع فى الحال بتقديم الخد الآخر للطم ، حتى يأخذ مظهر المسيحى المحتمل المنفذ تماماً لوصية الرب القائل « فحول له الآخر أيضاً » ( مت 5 : 39 ) .
وهكذا يظن أنه ينفذ الوصية عن طريق خسارة أخيه وعثرته !
وفى الواقع يحضرنا فى هذه المناسبة قول القديس بطرس الرسول « لأنه أى مجد هو إن كنتم تلطمون مخطئين فتصبرون ؟! بل إن كنتم تتألمون عاملين الخير فتصبرون ، فهذا فضل عند الله » ( 1 بط 2 : 20 ) . وهكذا قال الرسول أيضاً لا يتألم أحدكم … كفاعل شر ، أو متداخل فى أمور غيره ( 1 بط 4 : 15 ) .
فهذا الذى يثير غيره ليلطمه فيحتمل ، هو إنسان لم يتألم من أجل البر ، وإنما كفاعل شر مستحق للعقوبة .
كما أنه سبب عثرة لأخيه ، وسيسأله الله عن سقوط هذا الأخ فى خطية الغضب وفي خطية الضرب . كما أن هناك نقطة أخرى وهى :
(ب) تقديم الخد الآخر يكون فى إنسحاق وليس فى كبرياء .
ومثال هذه الكبرياء مَنْ يقدم خده الآخر فى غضب وعصبية وهو يقول لمَنْ لطمه [ تفضل إضرب كما تشاء . خذ راحتك .. أنا استحق . أنا الغلطان . إضرب . إضرب … ] !! بطريقة يبدو فيها أنه يسجل عليه أخطاءه ، بل يثيره ويعطيه فرصة ليزيد هذه الأخطاء . ولا يظهر فى ذلك أى أثر للإحتمال أو الإتضاع أو محاولة التهدئة ، بعدم مقاومة الشر وتحديه وإثارته .
والقديس يوسف يشرح تحويل الخد الآخر بأنه الداخلى :
فيقول : إن الخد الآخر لا يمكن أن يوجد إلا فى الانسان الداخلى … بمعنى أنه إذا ما تقبّل خدك الأيمن الخارجى لطمة مِن الضارب ، فإن الإنسان الداخلى أيضاً — بموافقة متضعة — يُقدّم خده للضارب ، مشاركاً الانسان الخارجى فى إحتماله ، مخضعاً ذاته للإهانة من الضارب . أى أن الإنسان الداخلى لا يضطرب من الضربات التى يتلقاها الإنسان الخارجى . وبهذا يريد مخلصنا أن نتخلص بالتمام من كل دوافع الغضب فى أعماق النفس من الداخل .
ولعل هذا يذكرنا بقول القديس الأنبا أنطونيوس :
إذا وبخك شخص من الخارج ، فوبخ نفسك من الداخل ، كمستحق لِما حدَث لك …
وهكذا يكون هناك إنسجام بين حالتك فى الخارج والداخل . فلا تكون هناك لطمة في الخارج ، وتذمّر في الداخل ، وإنما تقدم الداخل للطمة أخرى عن طريق لوم النفس ، وإشعارها بالخطأ وإستحقاق ما أصابها من إهانة . وسنشرح هذا إن شاء الله فى باب ( علاج الغضب ) عن طريق لوم النفس .
إن شكلية تحويل الخد الآخر ، لا تهدىء . الموقف ، مهما استُخدمت معها ألفاظ لا خطأ فيها ، ولكنها تقال بروح الغضب والإثارة . يقول القديس يوسف عن أمثال هؤلاء :
إنهم لا يفشلون فقط فى تخفيف نار الغيظ التى إشتعلت ، بل بالأكثر يلهبونها بأشد عنف ، سواء فى مشاعرهم الخاصة ، أو فى شعور الأخ الغضبان .
وحتى إن قدر هؤلاء بطريقة ما أن يهدئوا و يسكنوا أنفسهم ، إلاَّ أنهم لا يجنون ثمار البر ، بينما هم يدعون لأنفسهم فخر الاحتمال عن طريق خسارة قريبهم ! وهكذا فإنهم يبعدون عن تلك المحبة التى قال عنها الرسول إنها « لا تطلب ما لنفسها » ( 1 كو 13 : 5 ) .
ليس المطلوب منك فقط أن تكون هادئاً بعيداً عن الغضب ، إنما أيضاً أن تعمل على تهدئة الطرف الآخر بقدر إمكانك .
فلا تأخذ مظهر الهادىء المحتمل ، وتظهره فى صورة الثائر المُعتدِى .
عدم الدفاع عن النفس 🔗
من مظاهر الإحتمال عند القديسين عدم الدفاع عن النفس ، وقبول بعض التهم الرديئة فى صمت كما لو كانوا مذنبين . وكل ذلك بسبب الإتضاع الذى هو دعامة قوية للإحتمال .
وقد شرح مار إسحق هذا الأمر بتفصيل فقال :
إن كنت متواضعاً على الحقيقة ، فإن ظلمت لا تضطرب ، ولا تعتذر عن الأمر الذى جير عليك فيه . بل إقبل مثلبة وكلمات الظلم كأنها حق ، ولا تصرف الاهتمام إلى اقناع الناس بأنك قد اتُهِمْتَ ظلماً …
لأن قوماً قد سموا أنفسهم فسقة بإرادتهم ، ولم يكونوا كذلك . وآخرون صبروا على اسم الزنا وهم بعيدون عنه ، وكانوا يربون الثمرة ( ابن الخطيئة ) التى ليست منهم بدموع كما لو كانت تخصهم ، وإلتمسوا الصفح من ظالميهم ومشهريهم بنحيب وذرف عبرات عن إثم ما فعلوه ، بينما أنفسهم متوجةً بكل طهارة وعفاف [ لعله يقصد هنا القديسة مارينا مثلاً ] .
وطائفة كانوا يتشكلون بزى الجهال ، لئلا يشرف قدرهم و يتمجدوا بما فيهم من السيرة الفاضلة المكتومة ، وهم قد تملحوا بالملح الإلهى ، ثابتين بكل هدوء ورزانة عقل . حتى أنهم من سمو أفعالهم الكاملة حظوا بالملائكة القديسين مُنادين بعظم شرفهم [ ولعله يقصد كمثال : القديسة الهبيلة ] .
وأما أنت يا هذا ، فإنك تظن أنك ذو إتضاع ، وما تقدر أن تمسك نفسك عن السب ، ولا تقدر أن تحتمل ساكتاً .
فإن كنت تريد أن تعلم هل أنت متواضع ، إختبر نفسك بما ذكرناه ، وهل أنت تضطرب وتتكدّر بمثل تلك الأسباب .
- مار إسحق السرياني
تعليق 🔗
إن الدفاع عن النفس ليس خطيئة تتعب الضمير .
فمن حق الإنسان أن يدافع عن نفسه . وقد قال السيد الرب « إن أخطأ إليك اخوك ، فوبخه . وإن تاب فاغفر له » ( لو 17 : 3 ) . وقال أيضاً « إن أخطأ إليك أخوك ، فاذهب وعاتبه بينك وبينه وحدكما . إن سمع فقد ربحت أخاك . وإن لم يسمع فخذ معك أيضأ واحداً أو اثنين ، لكى تقوم كل كلمة على فم شاهدين أو ثلاثة . وإن لم يسمع منهم فقل للكنيسة . وإن لم يسمع من الكنيسة ، فليكن عندك كالوثنى والعشار » ( مت 18 : 15 - 17 ) .
إذن فمعاتبة الأخ ليست خطيئة ، وكذلك شكواه إلى الكنيسة ، بل إن الشكوى إلى الدولة ليست أيضاً خطيئة ..
ونحن نعلم أن القديس بولس الرسول . رفض أن يسلمه الوالى لليهود . وقال له « أنا واقف لدى كرسى ولاية قيصر ، حيث ينبغى أن أحاكم … إلى قيصر أنا رافع دعواى » فقال له فستوس الوالى « إلى قيصر رفعت دعواك . إلى قيصر تذهب » ( أع 25 : 10 ، 12 ) .
وبولس إحتج لما أرادوا أن يجلدوه ، وله الجنسية الرومانية .
فلما مدوه للسياط قال لقائد المائة « أيجوز لكم أن تجلدوا إنساناً رومانياً غير مقضىٍّ عليه ؟! » . حينئذ إختشى الأمير لما علم أنه رومانى ( أع 22 : 25 ، 29 ) .
إنَّ رفع قضية فى المحكمة ، لا يدخل فى باب الغضب ، إذ قد يتم فى هدوء . لكنه يُناقَش فى باب الاحتمال .
إذا أراد الإنسان أن يحتمل ويصبر صامتاً ، فهذه فضيلة له . وإن أراد أن يعاتب أو يشتكى إلى الكنيسة أو إلى قيصر ، فلا يكون قد أخطأ فى شىء . هذا حقه . وهو ليس مرغماً من جهة الدين أن يتنازل عن حقه .
أما الآباء النُسّاك الذين تحدث عنهم مار إسحق ، فقد فضّلوا أن ينالوا بركة الاحتمال ، وبركة فضيلة الاتضاع ، وفضائل المغفرة للمسيئين ، ومحبتهم ، والصبر على الإساءة . كل ذلك بنكران عجيب للذات . ولو دافعوا عن أنفسهم ما كانوا قد أخطأوا . ولكنهم فضّلوا حمل الصليب على حماية أنفسهم من الظلم .
أما بولس الرسول فلم يعتفِ من فضيلة الاحتمال ، ولم يرفض الجلد ولا الموت …
من جهة الجلد قال عنه نفسه « فى الضربات أوفر … خمس مرات قبلت من اليهود أربعين جلدة إلاَّ واحدة . ثلاث مرات ضُربت بالعصى . مرةٌ رجمت … » ( 2 كو 11 : 23 - 25 ) . ولكن لعله إشتكى إلى قيصر ، لأنه أراد أن يذهب إلى رومه ليبشرها . لذلك عندما تقابل مع يهود رومه قال لهم عن ذلك الموقف « … كانوا يريدون أن يطلقونى ، لأنه لم تكن فىَّ عِلَّة واحدة للموت . ولكن لما قاوم اليهود ، إضطررت أن أرفع دعواى إلى قيصر ، ليس كأن لى شيئاً لأشتكى به على أمتى . فلهذا السبب طلبت لأراكم وأكلمكم … » ( أع 28 : 18 - 20 ) .
على أية الحالات ، الأمر يحتاج إلى حكمة : متى يدافع الإنسان عن نفسه ، ومتى يصمت ؟
كما أن النساك الذين ماتوا عن العالم ، لهم مستوى روحى معين ، قد لا يستطيعه الذين يعيشون فى العالم .
هل الوحدة هروب من الغضب ؟ 🔗
الهروب من الناس ، ليس هروباً من الغضب ، فأساس الغضب والاحتمال هو داخل القلب . تأتى بنقاوة القلب من الغضب ، بالحب والاتضاع والاحتمال والمغفرة ، وليس بالهروب من أسباب الغضب . وهذا الهروب ليس إحتمالاً …
ليس إنتصارك على حرب الغضب ، يأتى بالوحدة ، حيث لا يوجد أحد يغضبك . وأحياناً يتعرض الإنسان لحرب الغضب وهو فى الوحدة ، ويسقط . ربما حشرة تتعبه وتضايقه ، أو رمال تملأ أذنيه وأنفه وعينيه وتردم له مغارته . أو قد تهب ريح شديدة فتطير أوراقه . وهناك أيضاً حروب الشياطين .
أما يتدرب الراهب على فضيلة الإحتمال ، وهو فى مجمع الرهبان . فإذا أتقنها وأتقن الفضائل التى تُكتَسب وسط الناس ، والتى يسمونها « فضائل المجمع » حينئذ يُسمَح له بالوحدة . وقد قال الآباء :
الذى لا يستطيع أن يحتمل مضايقات الإخوة فى المجمع ، كيف يمكنه أن يحتمل مضايقات الشياطين فى الوحدة ؟!
رأى يوحنا كاسيان :
تعرض لهذا الموضوع فى كتابه “المعاهد” Institutes فقال :
أحياناً عندما نُغلَب من الكبرياء أو عدم الاحتمال ، ونريد أن نُحسِّن طباعنا الخشنة الفظة ، نشكو من إحتياجنا إلى الوحدة ، كما لو كُنّا سنجد فضيلة الاحتمال هناك ، حيث لا يثيرنا أحد !
ونبرر اضطرابنا بأن سببه أخطاء إخوتنا ، وليس الخطأ فى عدم إحتمالنا !! وإذ نُلقي باللوم عل الآخرين ، لا يمكننا أن نصل إلى فضيلة الاحتمال ، ولا إلى الكمال .
أما عن أخطاء الآخرين ، فإن إرادتهم لا تقع تحت سلطاننا ، ولكن الجزء الأساسى فى تقويمنا وسلام ذهننا ، إنما يتعلق بإرادتنا نحن .
إن عدم غضبنا يجب ألا ينتج عن كمال غيرنا ، وإنما عن فضيلتنا نحن وطول أناتنا .
وبالإضافة إلى هذا ، فإن الكاملين الذين تنقوا من كل الأخطاء ، هم الذين ينبغى أن يطلبوا البرية . وإذ يكونون قد تخلصوا بدقة من كل أخطائهم وسط مجمع الإخوة ، يدخلون حينئذ إلى البرية ، ليس هروباً فى جبن ، وإنما بغرض التأمل الإلهى ، والرغبة فى إدراك الأمور السمائية إدراكاً أكثر عمقاً . وهذا لا ينال إلاَّ فى الوحدة .
لأن أيّة أخطاء لم تُعالَج بعد ، إن حملناها معنا إلى البرية ، فإننا نجدها مخفاة فينا غير مقضى عليها .
بل إن الوحدة تقوى هذه الأخطاء بالأكثر ، لأن الإنسان يبدو فى عينى نفسه صبوراً متضعاً ، طالما هو لا يصطدم مع أحد فى حديث . ولكنه يرتد إلى طبيعته السابقة ، حينما تَحْدُث أيّة فُرصة للألم . وإذا بتلك الأخطاء التى كانت مخبأة تظهر على السطح . ومثل جياد غير ملجمة - تغذت مدة طويلة فى كسل - تندفع من حواجزها بكل وحشية وتحفز لتحطيم سائسها .
أو هى تشبه كل أنواع الحيّات السامة أو الحيوانات المتوحشة ، التى بينما تبقى فى وحدة وفى مرابضها تبدو غير مؤذية ، لأنها فى الواقع لا تؤذى أحداً … ولكنها عندما تجد فرصة لإيذاء أحد ، فقى الحال تخرج السمّ المختزن فيها ، وتظهر وحشية طبيعتها .
ونحن نتذكر - حينما كنا فى الوحدة - أنَّ شعور الإثارة كان يزحف علينا ، ضد قلمنا لأنه كان أصغر أو أكبر مما يجب ! أو على المبراة عندما تبرى برداءة أو بغير الحدة التى كنا نريدها ! حتى أننا لم نكن نستطيع أن نتخلص من إنزعاج ذهننا ، إلاَّ بأن نشتم المادة التى لا تحس ، أو على الأقل نشتم الشيطان ..!
لذلك فإن عدم وجود أناس يثور غضبنا عليهم ، لا يجدينا نفعاً كوسيلة للكمال . لأنه - إن لم يكن الاحتمال موجوداً فينا - فإن مشاعر الألم التى تسكن قلوبنا ، يمكن بالسواء أن تنفق ذاتها على الجمادات ، ولا تسمح لنا بأن نوجد فى حالة سلام مستمر .
من أجل كل هذه الأمور هناك قاعدة فى الأديرة وهى :
لا يسمح للمبتدىء فى الرهبنة أن يدخل مباشرة إلى حياة الوحدة .
وإنما يتدرب أولاً فى حياة المجمع ، حتى إذا إكتسب ما يسمونه باسم [ فضائل المجمع ] - أى المحبة والإحتمال والوداعة وخدمة الآخرين والمسالمة مع الناس .. إلخ - حينئذ يسمحون له بالوحدة ، والحبس فى القلاية .
لئلا إذا دخل إلى الوحدة بأخطائه ، تعيش معه هذه الأخطاء فى الوحدة ، وتنمو لأنها غير ظاهرة …
ولا تكون الوحدة دليلاً على نقاوته ، وإنما غطاء لأخطائه تحجبها مِن الظهور. وإذ لا تظهر يظن فى نفسه البر ، فيحارب بالمجد الباطل بينما له أخطاء تحتاج إلى علاج .
مثال ذلك : متوحد شرح لأحد الآباء الشيوخ كيف أنه صار له سلطان على الشياطين فى حروب روحية عديدة ! فأجابه الشيخ : إذهب واخضع نفسك للمجمع ، حينئذ ستجد نفسك ليس لك سلطان إلاَّ على عصاك !
هذا كله بالنسبة إلى الرهبان ، أما عن العلمانيين ، فقد يلجأون إلى الاعتزال بدلاً من الوحدة ، أو يلجأون إلى حياة الإنطواء والبعد …
وليس فى شىء من هذا إنتصار ، وإنما هروب ..
وعلى كلٍ فالهروب من الشر ، خير من الوقوع فيه ..
فقد يعجز إنسان عن إحتمال شخص ما ، فيعتزله .
فى هذا التصرف يكون قد إبتعد عن الاصطدام وأخطائه . ولكنه إن أراد أن يتدرب على فضيلة الاحتمال قد يعاشر هذا النوع ، كما فى قصة المرأة البارة ( ص 58 ) . ولكن ليس الجميع فى هذا المستوى . وكل شخص يسلك حسب مستواه …
- الجزء 1: كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث
- الجزء 2: الغضب الخاطئ الباطل | كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث
- الجزء 3: أنواع ودرجات الغضب | كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث
- الجزء 4: الإحتمال | كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث
- الجزء 5: أسباب الغضب | كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث
- الجزء 6: علاج الغضب | كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث