كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث
- الجزء 1: كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث
- الجزء 2: الغضب الخاطئ الباطل | كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث
- الجزء 3: أنواع ودرجات الغضب | كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث
- الجزء 4: الإحتمال | كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث
- الجزء 5: أسباب الغضب | كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث
- الجزء 6: علاج الغضب | كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث
الكتاب الثالث من سلسلة كتب الحروب الروحيّة (spiritual warfare).
منقول من نص الطبعة الثالثة ، أكتوبر 1993 ، القاهرة.
أحد كتب مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية.
قصة هذا الكتاب 🔗
في أول حياتي كأسقف ، حينما بدأت أدرّس أقوال الآباء النسكية لطلبة الكلية الإكليريكية سنة 1962 ، تناولت موضوعين هامين : أحدهما (حياة السكون) والثاني (الغضب والإحتمال) وقدمت للطلبة مذكرات مطبوعة في هذين الموضوعين في بداية سنة 1963 أي منذ حوالي 24 عاماً.
وكنت قد تتبعت أقوال الآباء التي قالوها في (الغضب) وقمت بترجمتها:
فترجمت ليوحنا كاسيان ما ورد في كتابيه : المعاهد Institutes ، والمقابلات أو المؤتمرات Conferences مع ما ذكره في لقاءاته مع آباء قديسين مثل الأنبا بيامون (في المقابلة 18) ، والأنبا يوسف (في المقابلة 16). وكذلك أقوال القديس دوروثيثوس كما وردت في مجموعة الفيلوكاليا Philokalia ، وأقوال مار إسحق كما وردت في ميامره ورؤوس المعرفة ، وأقوال القديس مار أوغريس كما وردت في ميامره عن محاربات الأفكار. يضاف إلى هذا قصص وأقوال قديسي البرية عن الغضب التي ذَكِرَت في بستان الرهبان ، أو في كتاب القديس بلاديوس Historia Lausiaca المترجم إلى الإنجليزية تحت اسم The paradise of the Fathers.
وكل ذلك وزعناه على الطلبة ، وامتحنوا فيه مادة أقوال الآباء…
ثم أضيف إلى ذلك ما ترجمته من أثوال آباء كثيرين مثل القديس أوغسطينوس والقديس يوحنا ذهبي الفم.
ثم ألقيت محاضرات عن الغضب في كنيسة الملاك ميخائيل بدمنهور في سبتمبر سنة 1965 قام ابننا القمص ميخائيل صليب بطبعها ونشرها ، وأعاد طبعها أكثر من مرة.
وألقيت محاضرات عن الغضب في الكاتدرائية المرقسية الكبرى بالقاهرة في ديسمبر سنة 1971 نشرت في جريدة وطني في 19 / 12 / 71 ، وفي 26 / 12 / 71 .
وألقيت محاضرات أخرى عن الغضب في الكاتدرائية الكبرى في أغسطس وسبتمبر سنة 1986 م ضمن محاضرات ألقيناها عن حياة الوداعة.
ثم رأيت أخيراً أن أضع كتاباً عن الغضب والإحتمال يشمل كل ما جاء في تلك المحاضرات التي ألقيت على مدى 25 عاماً. وهو هذا الكتاب الذي بين يديك.
وقد سبق وصول هذا الكتاب إليك ، كتاب آخر قدمناه لك عن (الهدوء). وكل من هذين الكتابين يكمل أحدهما الآخر، ويدخلان معاً في نطاق حياة الوداعة…
وهذا الكتاب ليس عن الغضب فقط كحرب ، وإنما عن علاجه أيضاً ، بالإحتمال وبطرق روحية كثيرة.
وإن كان كتاب (الغضب) يدخل في سلسلة (حياة الوداعة والإتضاع)، ذلك لأن الإنسان الوديع المتواضع لا يُغضِب أحداً ، ولا يَغضَب من أحد … إلاَّ أن الغضب أيضاً حرب روحية تدخل في سلسلة (الحروب الروحية) ، هذه التي أصدرنا منها كتابين : الأول (حروب الشياطين) ، والثاني (الحروب الروحية). وقد شمل الحديث عن 14 حرباً روحية.
فليكن الغضب هو الحرب الثانية عشرة، وليكن الجزء الثالث من هذه السلسلة. وإلى اللقاء مع البقية..
البابا شنوده الثالث
الفضل الأول: الغضب المقدس 🔗
نوعان من الغضب
الغضب المقدس
غضب الله
غضب القديسين
الحزم لا النرفزة
اغضبوا لا تخطئوا
لا تغرب الشمس على غيظكم
نوعان من الغضب 🔗
يوجد نوعان من الغضب : أحدهما الغضب الخاطئ ، الذي نعتبره خطية واضحة ، أو مجموعة من الخطايا. ويعبر عن نفسه في أغلب الأحيان بالنرفزة أو بالحدّة. وسيكون هذا النوع من الغضب هو موضوعنا الأساسي.
على أنه يوجد غضب آخر سليم ، لا عيب فيه. بل قد يكون غضباً مقدساً أو غضباً واجباً. وسنتحدّث عنه الآن قبل أن نتكلم عن خطية الغضب.
الغضب المقدس 🔗
وهو غضب لأسباب مقدسة من أجل الحق ، ولا تدخل فيه الذات ، ويكون بأسلوب سليم ، وليس بعصبية أي ليس بنرفزة. ولا يكون بجهل، ولا بسرعة…
والكتاب المقدس يعطينا أمثلة من غضب الله ، وغضب الرسل والأنبياء. كما يعطينا التاريخ أمثلة من غضب القديسين.
غضب الله 🔗
كم من مرة غضب الله على البشر وعلى الخطاة.. والغضب هنا معناه عدم الرضا.
وكان الله في غضبه ينذر أحياناً ، ويعاقب في أحيان أخرى ، أو يوبخ وينتهر.
لقد غضب الله على أهل نينوى ، لما صعد شرهم أمامه (يون 1 : 2). وأرسل لهم يونان النبي لينادي عليهم بالهلاك. ولكنهم لما تابوا ، لم يوقع الرب بهم الشر الذي تكلم أن يصنعه بهم (يون 3 : 10 ).
وغضب الله على بني إسرائيل لما عبدوا العجل الذهبي ، وأراد إفناءهم. ولكنه لم ينفذ فيهم هذه العقوبة بسبب شفاعة موسى النبي فيهم (خر 32 : 7 - 14).
الغضب هنا معناه عدم رضى الرب عن الشر. وأخذ التعبير صورة العقوبة أو التهديد بها.
وغضب الرب على قورح وداثان وابيرام ، ففتحت الأرض فاها وابتلعتهم وبيوتهم وكل ما كان لهم (عد 16 : 31). وغضب على الشعب الذي تذمر بسببهم ، وضربهم بالوبأ. ومات في ذلك اليوم أربعة عشر ألفاً وسبعمائة “لأن السخط كان قد خرج من قبل الرب” (عد 16 : 49 ، 46 ).
والأمثلة كثيرة في الكتاب. ولذلك نطلب في صلواتنا أن لا يغضب الله علينا.
ونقول للرب: “إرفع غضبك عنا” (لحن افنوتي ناي نان).
وهذا هو ما قاله موسى للرب ، لما أراد إفناءهم : “لماذا يارب يحمي غضبك على شعبك … ؟” (خر 32 : 11). وهذا ما يقوله داود النبي في المزمور : “يارب لا تبكتني بغضبك ، ولا تؤدبني بسخطك” (مز 6 : 1). وارميا النبي يقول للرب في مراثيه : “إرددنا يارب إليك فنرتد ، جدد أيامنا كالقديم. هل كل الرفض رفضتنا ؟ هل غضبت علينا جداً ؟ " (مرا 5 : 21 ، 22).
ومن أمثلة غضب الله على الشر والأشرار ، قول الرسول :
“لأن غضب الله معلن من السماء على جميع فجور الناس وإثمهم” (رو 1 : 18).
وقد قيل أيضاً : “الذي لا يؤمن بالابن ، لن يرى حياة أبدية ، بل يمكث عليه غضب الله” (يو 3 : 36). كما قيل إن غضب الله يأتي على أبناء المعصية (أف 5 : 6 ؛ كو 3 : 6 ). وكلمة “الغضب” في كل هذه الأمثلة تعنى العقوبة ، ولا تعني النرفزة التي يقع فيها الناس.
لذلك من أمثلة غضب الله: يوم الدينونة:
والقديس يوحنا الرائي أبصر الخطاة خائفين في ذلك اليوم، حتى الملوك والعظماء والأغنياء والأمراء والأقوياء … « أخفوا أنفسهم فى المغاير وفى صخور الجبال . وهم يقولون للجبال والصخور إسقطى علينا وأخفينا عن وجه الجالس على العرش وعن غضب الحَمل . لأنه قد جاء يوم غضبه العظيم ، ومَنْ يستطيع الوقوف » ( رؤ 6 : 15 - 17). وقد أطلقت عبارة «كأس غضب الله » على العذاب الابدى ( رؤ 14 : 10 ).
قداسة الله ترفض الشر وتنفر أو تشمئز منه وتدينه . وقد أطلق على هذا الرفض وهذه الدينونة عبارة « غضب الله » .
ومن أمثلة هذا الأمر أنه فى معجزة شفاء الرب لصاحب اليد اليايسة ، لما كان اليهود يراقبونه هل يشفيه فى السبت … حدث أنه « نظر حوله إليهم بغضب » حزيناً على غلاظة قلوبهم ، وقال للرجل : مد يدك .. » (مر 3 : 1 - 5 ) ، وعبارة « غضب » هنا تعنى إشمئزاز الرب من الشر. وكان غضبه فى هذا المثال بدون عقوبة .
ونلاحظ فى الحديث عن غضب الله … إنه طويل الأناة بطىء الغضب . أعلنها ناحوم النبى ققال : « الرب بطىء الغضب … » . ( نا 1 : 3 ).
وقد صرّح بهذا يونان النبى فى عتابه مع الله ، إذ قال له : «لأنى علمت أنك إله رؤوف ورحيم ، بطىء الغضب وكثير الرحمة ونادم على الشر» ( يون 4: 2 ). وقيل أيضاً : « الرب إله رحيم ورؤوف ، بطىء الغضب وكثير الإحسان » ( خر 34 : 6 ).
إن الله بطىء الغضب . وأيضاً غضبه لا يستمر.
إختبر داود النبى هذه الحقيقة فقال : « الرب رحيم ورؤوفء, طويل الروح وكثير الرحمة . لا يحاكم إلى الابد ، ولا يحقد إلى الدهر » ( مز 103 : 8 ، 9 ). وقال فى تركيز :
« لأن للحظة غضبه » ( مز 30 : 5 ).
والمقصود بغضب الله ، أن نستيقظ روحياً ، فلا نستغل رحمته ونستهين بغنى لطفه وإمهاله وطول أناته (رو 2 : 4 ) و يقودنا ذلك إلى الاستهتار واللاميالاة …
غضب القديسين 🔗
كان القديسون وُدَعاء . ولكن وَداعَتَهم لم تكن تعنى سلبية مطلقة من جهة الشر ، أو عدم إنفعال على الإطلاق ، إذ كانوا يغضبون أحياناً غضبا مقدساً ، يعلنون به سخطهم على الخطية . وسنضرب لذلك أمثلة منها :
١ - غضب موسى النبى 🔗
نعم ، موسى النبى الذى قال عنه الكتاب : « وأما الرجل موسى فكان حليماً جداً أكثر من جميع الناس الذين على وجه الأرض » (عد 12 : 3 ). موسى هذا ، لما أبصر بنى إسرائيل يرقصون و يعبدون العجل الذهبى ، يقول الكتاب عنه : « فحمى غضب موسى . وطرح اللوحين من يديه وكسرهما … ثم أخذ العجل الذى صنعوه وأحرقه بالنار وطحنه وذراه » ووبخ هرون … ( خر 32 : 19 - 21 ).
ليس معنى الوداعة برودة فى الطبع » بحيث لا ينفعل الإنسان إطلاقا ، ولا يتحرك بالغضب !!
فالوديع قد يغضب أحياناً » معبراً عن سخطه على الشر . ولكنه يغضب بأسلوب يتفق مع وداعته . يغضب ولا يخطىء ( أف 4 : 26 ).
وهنا نرى موسى النبى يوبخ أخاه هرون فى حزم ، حتى أن هرون إرتبك أمامه ومع كل ذلك تشفع موسى فى الشعب لكى لا يفنيهم الله .
2 - غضب اليهو 🔗
كان الرابع بين أصحاب أيوب الصديق . وظل صامتاً طوال فترة حوارهم مع أيوب التى إستغرق سردها 28 أصحاحاً . وأخيراً يقول الكتاب :
« فحمى غضب اليهو بن برخئيل البوزى من عشيرة رام . على أيوب حمى غضبه ، لأنه حسب نفسه أبر من الله . وعلى أصحابه الثلاثة حمى غضبه ، لأنهم لم يجدوا كلاماً وإستذنبوا أيوب » (أى 32 : 2 ، 3 ).
تكلم اليهو. ووبخ أيوب . ولم يستطع أيوب أن يجيب بحرف واحد كما أجاب على أصحابه الثلاثة . واليهو هو الوحيد الذى لم يوبخه الله من بين أصحاب أيوب . وكان فى غضبه يتكلم فى حكمة بكلام الله مع أنه كان أصغر الموجودين سناً … ولم يخطىء إطلاقاً فى غضبه ، بل كان يُفَصَلُ كلمة الحق باستقامة .
وعبارة « غضب اليهو » أو« حمى غضبه » لا تعنى هنا النرفزة ، إنما تعنى أن الذى حدث أمامه ، لم يسترح له ضميره .
لذلك وقف يحتج عليه ، و يبيّن الحق . لأنه كان ملآناً أقوالاً ، وكان روح باطنه يضايقه ( أى 32 : 18 ) . وكان إنساناً لا يحب المُحاباة ولا التملق …
مثال آخر نذكره للغضب المقدس وهو:
3 - غضب نحميا 🔗
نحميا العظيم ، الذى غار غيرة للرب ، وأعاد بناء سور أورشليم ، بل أعاد البناء الروحى الشعب فى أيامه ، هو وزميله عزرا الكاتب .
لقد غضب جداً ، لأن العظماء يقرضون الشعب بالربا .
وكان الفقراء قد صرخوا يشتكون من هذا النير الواقع عليهم » ومن أنهم فى جوعهم رهنوا بيوتهم وكرومهم وحقولهم . وهنا يقول نحميا : « فغضبت جداً حين سمعت صراخهم وهذا الكلام. وشاورت قلبى فىَّ . وبكّت العظماء والولاة . وقلت لهم إنكم تأخذون الربا كل واحد من أخيه . وأقمت عليهم جماعة عظيمة .. » ( نح 5 : 1 - 7 ). لقد غضب . وعالج المشكلة بحزم ، وليس بعصبية . وأمر العظماء أن يردوا الرَبا الذى أخذوه من الفقراء . وأقام العدل بين الناس . وفى كل ذلك لم يخطىء …
عقوبة عالى الكاهن 🔗
لقد أخطأ أولاد عالى الكاهن خطيئة بشعة فى خيمة الإجتماع . وكان لابد من أخذ حق الله منهم . ولكنه تهاون فى ذلك ، ووبخهم بأسلوب غير حازم ( 1 صم 2 : 22 - 25 ).
وكانت النتيجة أن الله عاقب عالى الكاهن عقوبة مخيفة جداً ، لأنه لم يغضب غضبة مقدسة على أولاده ليردعهم عن خطاياهم .
وهكذا كلَّم الله صموئيل النبى - وهو بعد صبى - وحمّله رسالة إلى عالى الكاهن . وقال له : « هوذا أنا فاعل أمراً فى إسرائيل » ، كل مَنْ سمع به تطن أذناه .
فى ذلك اليوم أقيم على عالى كل ما تكلمت به على بيته … وقد أخبرته بأنى أقضى على بيته إلى الأبد ، من أجل الشر الذى يعلم أن بنيه قد أوجبوا به اللعنة على أنفسهم ولم يردعهم . ولذلك أقسمت لبيت عالى أند لا يُكفْر عن شر بيت عالى بذبيحة أو بتقدمة إلى الأبد » ( 1 صم 3 : 11 - 14 ).
ووقع عالى الكاهن من على كرسيه « فانكسرت رقبته ومات » كما مات إبناه » وماتت كنته وهى تضع طفلها ( 1 صم 4 : 17 ، 18 ، 20 ). وكانت عقوبة إلهية لعالى وابنيه وزوجة ابنه ، لأنه لم يغضب للرب .
هناك مواقف تحتاج إلى حزم . والحزم فيها يدخل فى نطاق الغضب المقدس ، ولا يكون غضباً خاطئاً ولا غضباً باطلاً .
وإن كان الشخص المسئول لا يغضب مطلقاً » ولا يتصرف بحزم مهما كانت الأخطاء ، ولا يقيم الحق والواجب » فإن بلا شك يكون مخطئاً » و يكون مقصراً فى مسئوليته . ولكن هناك فرق بين الحزم والنرفزة .
الحزم لا النرفزة 🔗
ولنضرب لذلك أمثلة من الحياة العملية :
1 - ربما تتقدم فتاة للتناول من سر الافخارستيا المقدس ، وهى فى زينة متبرجة غير لائقة » فيثور عليها الأب الكاهن فى عصبيّة ظاهرة ، و ينتهرها بشدة ، وبكلمات قاسية أمام باقى السيدات ، فتترك الكنيسة وهى متألمة ساخطة ، وربما لا تعود إلى الكنيسة مرة أخرى . بيئما كاهن آخر فى نفس الوقت ، يقول للفتاة كلمة حازمة فى هدوء وفى سر ، وبطريقة مقنعة وليست جارحة ، وتقتنع الفتاة» وتتنبه للخطأ فلا تعاوده .
2 - مثال آخر : مدرس فى مدرسة : لا يحفظ التلاميذ النظام ، فيفقد أعصابه ، ويظل يصيح ويوبخ وربما يشتم ويضرب . ويلاحظ الطلبة أنه سهل الاستثارة فيتخذونه لعبتهم » ويجدون لذة فى إثارته . بينما مدرس آخر يضبط نظام الفصل بحزم » دون نرفزة ، و يكون موضع إحترام التلاميذ وطاعتهم .
3 - وبنفس الوضع نتكلم عن أب جسدانى ، أو أى إنسان فى موضع الرئاسة ، أو فى وظيفة التربية . قد يتصرف فى حزم وحسم . ومن حقه بل من واجبه أن يتصرف هكذا . ولكنه فى غضبه لا يخطىء .
4 - مثال آخر : وهو أن الكنيسة المقدسة قد غضبت على البدع والهرطقات وعالجتها بكل حزم .
واضح جداً موقف الكنيسة فى المجامع المسكونية والمكانية ، وفى أحكام الآباء البطاركة والأساقفة حماة الإيمان . بل إن رسولاً عظيماً إشتهر جداً بالحب حتى لقبوه : [ يوحنا الحبيب ] نراه يقول فى حزم فى آخر رسالته الثانية : « إن كان أحد يأتيكم ولا يجىء بهذا التعليم ، فلا تقبلوه فى البيت ، ولا تقولوا له سلام . لأن مَنْ يسلّم عليه ، يشترك فى أعماله الشريرة » ( 2 يو 10 : 11 ) . هذا هو الحزم والغضب للحق ، فى غير نرفزة .
5 - قال القديس دياراخوس : الغضب العفيف هو ذلك الذى لو استعملته حواء مع الحية ، ما كانت قد إنفعلت باللذة الألمية .
أى لو كانت أمنا حواء غضبت لأن الحية قالت لها ما هو عكس وصية الله ، وفى هذا الغضب رفضت نصيحة الحية ، ما كانت قد أخطأت . ونقصد بالغضب هنا الحزم فى رفض كل غرض خاطىء . وندعو إلى هذا الحزم كل إنسان يتعرض لإغراء أثيم . لا تقل ( الوداعة ) وتستسلم وتخطىء !!
6 - ومثال آخر هو موقف بولس الرسول من خاطىء كورنئوس .
هذا القديس العظيم الذى تكلم عن المحبة كأعظم الفضائل ( 1 كو 13 : 13 ) نراه فى نفس الرسالة يغضب جداً بسبب ذلك الخاطىء الزانى ، و يصدر عليه حكماً شديداً يأمر فيه بإسم ربنا يسوع المسيح : «أن يُسلّم مثل هذا للشيطان لهلاك الجسد ، لكى تخلص الروح فى يوم الرب » ( 1 كو 5 : 5 ) . وفى نفس الوقت يوبخ أهل كورنثوس توبيخاً شديدأ ، حتى أنه يذكر فى رسالته الثانية إليهم أنه أحزنهم ويقول : « لأنه إن كنت أحزنكم أنا ، فَمَنْ هو الذى يفرحنى إلاَّ الذى أحزنته » ( 2 كو 2 : 2 ). وعاد فعفا عن ذلك الخاطىء لما تاب وإنسحق ( 2 كو 2 : 6 ، 7 ).
ولهذا كله يمكن أن يغضب الانسان ولا يخطىء ، إن كان غضباً مقدساً . على أن هناك معنى آخر لقول الكتاب: « إغضبوا ولا تخطئوا » ( أف 4 : 26 ).
اغضبوا ولا تخطئوا 🔗
أجاب يوحنا كاسيان على سؤال هام هو :
متى ينفع الغضب و يصلح ؟
فقال إن الإستثناء الوحيد الذى يصلح فيه الغضب ، هو غضبنا على خطايانا وشهواتنا ونقائصنا .
المصدر: يوحنا كاسيان : كتاب المعاهد ؛ حرب الغضب .
ويرى أن هذا هو الاستعمال الطبيعى للغضب فينا . فيقول : [ إن لنا إستعمالاً للغضب مغروساً بامتياز فينا ، من أجله وحده فقط من المفيد والنافع لنا أن نسمح بالغضب . أعنى عندما نكون غاضبين وحانقين ضد عواطف القلب الشهوانية ومتكدرين ، لأن الأمور التي نخجل من فعلها أو التفوه بها أمام الناس ، قد قامت فى خفايا قلوبنا … مرتعبين أقصى الرعب من عين الله الذى لا يمكن أن تخفى عليه أسرار القلوب ] .
وضرب كاسيان مثلاً بداود الملك ، عندما إشتهى أن يشرب ماء من بئر بيت لحم ، فاقتحم ثلاثة من رجاله الأبطال معسكر العدو وجلبوا له الماء . ولكن داود ضربه قلبه ، وغضب على نفسه كيف يرمى رجاله إلى الخطر لكى يشرب هو. وفى الحال سكب الماء على الأرض دون أن يرضى شهوته فى الشرب ، معبراً عن ذلك بقوله : حاشا لى يارب أن أفعل ذلك ، أن أشرب دم أولئك الرجال الذين خاطروا بأنفسهم ( 2 صم 23 : 15 - 17 ).
ثم تعرّض كاسيان لقول الكتاب : « اغضبوا ولا تخطئوا » ( أف 4 : 26 ) . وقد إقتبسها القديس بولس الرسول من مزامير داود ( مز 4 : 4 ). وشرح أنها تنطبق على تفسيره فى حصر غضبنا ضد أنفسنا فقال : البعض أمروا أن يغضبوا يطريقة سليمة ، ولكن على أنفسنا وعلى الأفكار الشريرة التى تقوم فينا .
ووضَّح أنه بغضبنا على هذه الأفكار الشريرة لا نخطىء . أى لا يكون فى غضبنا خطأ . كما أن من نتيجة غضبنا على هذه الأفكار أننا لا نخطىء .
وقال إن تكملة الآية ( مز 4 : 4 ) تشرح أن هذا هو المعنى الأكثر وضوحاً . إذ بعدها مباشرة « الذى تقولونه فى قلوبكم ، إندموا عليه فى مضاجعكم » ، أى أن كل ما تفكرون فيه فى قلوبكم ، عندما تندفع فيكم المثيرات .. هذا وبخوه وعدلوه بندم صحيح …
وأراد كاسيان أن يثبت تفسيره هذا بحسبما وردت هذه الآية فى رسالة القديس بولس ، فقال : [ إن الرسول المغبوط بولس . عندما استشهد بهذه الآية وقال : « إغضبوا ولا تخطئوا » أضاف : « لا تغرب الشمس على غيظكم ، ولا تعطوا إبليس مكاناً » ( أف 4 : 26 )].
لا تغرب الشمس على غيظكم 🔗
يفسر كاسيان كلمة « الشمس » هنا تفسيراً رمزيأ ، بأنها شمس البر ( ملا 4 : 2 ). ولم يسمح كاسيان بتفسير الآية حرفياً ، وإلاَّ كان الرسول يسمح بأن يستمر غيظنا حتى الغروب ..!.
وفى هذا يقول : إن كان شرعياً أن نغضب حتى غروب الشمس ، فإن تخمة سخطنا ، أو إنتقام غضبنا ، سيمكنه أن يلعب دوراً كاملاً للألم والإثارة الخطرة قبل أن تميل الشمس إلى غروبها .
ورأى كاسيان أن التفسير الحرفي لهذه الآية يتنافى مع ما تسلمه من تعليم الشيوخ الذين « لم يسمحوا للغضب ولا بلحظة واحدة يجد فيها مدخلاً إلى قلوبنا » .
وهكذا لجأ إلى التفسير الرمزى فقال : [ وعن هذه الشمس ، فإن الله يذكر ذلك بوضوح على لسان النبى عندما يقول : « ولكن لأولئك الذين يخافون إسمى تشرق شمس البر والشفاء فى أجنحتها » ( ملا 4 : 2 )].
ويستطرد : إن كان من الخطر أن يغرب شمس البر على سخطنا ، وبذلك كنا عندما نغضب فإننا فى الحال نعطى لإبليس مكاناً فى قلوينا ، فكيف إِذنْ يوصينا الرسول قبلاً أن نغضب بقوله « اغضبوا ولا تخطئوا » ؟! ألا يقصد هذا بوضوح :
اغضبوا على أخطائكم وعلى طباعكم . لئلا إن قبلتموها ، فإن المسيح — شمس البر - يبدأ بسبب غضبكم أن يغرب عن عقولكم المظلمة . وإذ يرحل عنكم ، فإنكم تهيئون مكاناً لإبليس فى قلوبكم .
تعليق :
إننا لا نمانع مطلقاً فى أن يكون أحد تفاسير هذه الآية « اغضبوا ولا تخطئوا » هو الغضب على خطايانا ونقائصنا . فليس كل غضب هو غضب على الآخرين فقط ، بينما توجد عيوب فى النفس تستلزم الغضب أيضاً ..
لذلك إغضب على الخشبة التى فى عينك ، قبل أن تغضب على القذى الذى فى عين أخيك (مت 7 : 5 ). ولا تطوى الليل دون أن تغضب على خطاياك ..
فإن غضبت على نفسك الخاطئة ، لا تخطىء ، لأنه غضب فيه إصلاح لنقائصك . وغضبك على خطاياك ، إِنما يدعوك إلى التوبة .
ونحن لا نريد أن نتمادى فى التفسير الرمزى ، لأن هناك حالات غضب مقدس غير غضبنا على أنفسنا ، ذكرنا أمثلة لها . وأيضاً لكى لا ندين القديسين الذين يغضبون من أجل الحق . إنما فى الغضب المقدس ، نفرّق بين الغضب و الترفزة . فالنرفزة خطأ .. والقديسون قد غضبوا من أجل الحق دون نرفزة . فالنرفزة هى عدم ضبط للأعصاب …
- الجزء 1: كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث
- الجزء 2: الغضب الخاطئ الباطل | كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث
- الجزء 3: أنواع ودرجات الغضب | كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث
- الجزء 4: الإحتمال | كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث
- الجزء 5: أسباب الغضب | كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث
- الجزء 6: علاج الغضب | كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث