أسباب الغضب | كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث
- الجزء 1: كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث
- الجزء 2: الغضب الخاطئ الباطل | كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث
- الجزء 3: أنواع ودرجات الغضب | كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث
- الجزء 4: الإحتمال | كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث
- الجزء 5: أسباب الغضب | كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث
- الجزء 6: علاج الغضب | كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث
الفصل الخامس : أسباب الغضب
أسباب داخلية :
1 - الطبع .
2- الذات ، الكرامة .
3 - يريد حسب هواه .
4 - حب التسلط .
5 - عدم المحبة وعدم الاحترام .
6 - الإرهاق العصبى والجسدى .
7 - الإلحاح .
8 - المشغولية .
9 - متاعب الذكاء .
10 - الغضب القبلي .
11 - أسباب نفسية .
12 - قلة الحكمة .
13 - حرب شيطانية .
14 - قلة الإتضاع .
أسباب خارجية :
15 - أخطاء الآخرين .
16 - عدم الطاعة .
17 - أسباب مالية ومادية .
18 - دعوى الدفاع عن الحق .
19 - إصلاح الآخرين .
20 - ضعفات خارجية .
الغضب له أسباب كثيرة جداً ، تختلف من شخص إلى آخر . وهذه الأسباب إما أن تكون أسباباً داخلية ، تتعلق بنفسية الإنسان الغضوب وعقله وقلبه وأسلوبه فى التعامل . وإما أن تكون للغضب أسباب خارجية من الظروف المحيطة أو البيئة أو تصرفات الآخرين وأخطائهم .
وسنتناول الأمرين معاً ، ونبدأ بالأسباب الداخلية ، لأنها أكثر فاعلية .
الأسباب الداخلية للغضب 🔗
وهى تتعلق بطبع الإنسان ، وحساسيته . ومقدار تدخل الأنا ( الذات ) فى تصرفاته وحساسيته نحو تصرفات الآخرين ، ونحو كرامته وحقوقه . و يدخل فيها أيضاً مقدار سعة صدره ، ونوعية أعصابه ، ومشاعره نحو الآخرين ، وهل فيها عداوة أو حقد أو عدم إحترام . كذلك تتدخل فى غضبه أيضاً نقائصه الروحية والنفسية ، وأيضا حالته الجسدية وما يعانيه من مرض أو إرهاق … إلخ . ولنتناول هذه الأمور جميعها بالتفصيل ، لنناقشها معاً بنعمة الله :
الطبع 🔗
هناك إنسان طبعه نارى ، حاد ، سريع الانفعال …
هذا النوع يثور بسرعة ، و ينفعل بسرعة ، وربما لأتفه الأسباب . وقد يكون هذا الطبع قد وصل إليه بالوراثة ، أو تتصف به أسرته . أو قد يكون نتيجة لتهاونه مع أخطاء روحية ، تحولت فيه بالتكرار إلى عادة ، ثم تطورت حتى صارت طبعاً ملازماً له ، يتصرف به تلقائياً .
إنه يذكرنى ببعض المواد السريعة الإشتعال .
الخشب قد يشتعل . ولكنه فى إشتعاله أقل من القش الذى يشتعل بسرعة . وكلاهما أقل فى إشتعالهما من الكحول أو البنزين أو المغنسيوم ، هذه المواد التى هى سريعة الإشتعال جداً. وأخطر منها الديناميت والبارود مثلاً ، الذى يشتعل وينفجر . وكل من هذه المواد لها طبيعتها الخاصة بها …
كذلك الناس لهم طباع ، بعضهم يشتعل ببطء ، والبعض بسرعة ولكنه هوائى كالكحول . وبعضهم يشتعل و ينفجر .
وبعضهم يشتعل و يُشعل غيره معه ، ويمتد لهيبه إلى كل مَنْ حوله . عكس ذلك الصخر مثلاً ، تقترب منه النار فلا تقدر على إشعاله . أما الماء فمن طبيعته أن يطفىء النار . ولكن إن تمكنت منه النار وهو محصور فى إناء ، فإنها تسخنه ، وربما تبخره أيضاً … فمَنْ أيّة طبيعة أنت ؟ وهل طبعك له تدخل فى غضبك ؟ أم أن غضبك له أسباب عارضة يزول بزوالها ؟!…
قد يوجد إنسان حسّاس جداً . أقل كلمة قد تجرحه ، وأقل تصرف قد يؤذيه ، ويبكيه ، ويقلقه .
إنه نوع من الطبع المرهف . مشاعره كالحرير ، أقل خدشة تترك تأثيرها على نسيجه . نخشى عليه حتى من النسيم العليل ، فقد يجعله يطير أو يهتز !! وهذا النوع يؤول أى تصرف - مهما كان بريئاً - تأويلاً سيئاً يبرر به غضبه !
وهناك طبع آخر فيه قسوة أو خشونة .
ومثل هذا له إستعداد أكثر للغضب ، وللإيذاء وجرح شعور الآخرين . ولعل من أمثلة هذا النوع شمعون و لاوى اللذان قال عنهما أبوهما يعقوب « ملعون غضبهما فإنه شديد ، وسخطهما فإنه قاسٍ » ( تك 49 : 7 ) .
ومع ذلك كله ، فالطبع يُمكن علاجه :
يُمكن تغيير الطبع تماماً ، أو تهذيبه ، أو تخفيفه ، أو تحويله . وذلك بالتثقيف عن طربق المرشد والأب الروحى . أو بطريق الجهاد والتدريب والصلاة من الشخص نفسه . وكذلك مؤازرة النعمة وعمل الروح من جهة تدخل الله ومعونته .
ويقدم لنا التاريخ القديس الأنبا موسى الأسود ، الذى كان قبل توبته يتصف بالقسوة الشديدة والعنف والإيذاء ، ولكنه تحول إلى إنسان وديع طيب خدوم ومحب للإخوة فلا يعتذر إنسان عن غضبه بأن طبعه هكذا . المفروض أن ينتصر على طبعه.
الذات والكرامة 🔗
يندر أن يوجد غضب ، ليس وراءه الذات والكبرياء …
حيث يغضب الإنسان من أجل كرامته أو من أجل حقوقه .
والمعروف أن الإنسان - فى حالة غضبه - يكون مركزاً فى الإهتمام بذاته ، ولا تهمه إطلاقاً مشاعر الشخص الذى يغضب عليه . كل ما يفكر فيه هو كرامته ، التى يكون حساساً جداً لكل ما يمسها . أما كرامة غيره فلا يفكر فيها إطلاقاً أثناء غضبه . إن ( الأنا ) Ego هى التى تحكم الموقف تماماً . « كرامتى التى أُهينت أو جُرحت .. وحقوقى التى ضاعت أو ظلمت فيها . أنا لا يمكن أن أعامل بهذا الأسلوب . أنا سأرد بالمثل أو أكثر . لابد أنى أعلّم من أمامى درساً لن ينساه » …! وهكذا تتكرر كلمة ( أنا ) مراراً ساعة الغضب ..
وهذه ( الأنا ) هى التى تفسد العلاقات العائلية والاجتماعية :
إنها وراء كل خلاف بين زوجين . فلو فكّر كل زوج فى إراحة زوجته لا فى راحته هو ، وفي إسعادها لا فى إسعاد نفسه على حسابها . ولو فكّر فى المحافظة على كرامتها وشعورها ، تماماً كما يفكر فى كرامته هو وشعوره … لو عاش معها بهذا الأسلوب — الذى تختفى فيه الأنا — ما حدث خلاف على الاطلاق . وكذلك لو تصرفت الزوجة بنفس الأسلوب . ولو وضع كل منهما فى ذهنه وفى قلبه أن رسالته فى الزواج هى إسعاد شريكه فى الحياة …
كذلك يدخل فى موضوع الذات ، محبة المديح ..
فالغضب قد لا يكون سببه إهانة حدثت ، إنما قد يكون السبب أيضاً أن الإنسان المحب للمجد الباطل لم يقابل بالمديح الذى ينتظره ، أو بالاحترام الذى يتوقعه ، مثلما غضب هامان على مردخاى ( أس 3 : 5 ) .
إن محب الكرامة يتطلب معاملة خاصة ، إن لم يجدها يغضب . وهو لا يحتمل نقد ولا معارضة ، ولا حتى نصحاً .
وذلك إن وجد فى النصح ، أو فى التعليق على تصرفاته ، ما يمس كرامته ، أو ما يقلل من العظمة التى يتصورها لنفسه ، فيثور و يغضب وينتقم لكرامته ! ومثل هذا الشخص لا يستطيع أن يعيش إلاَّ فى جو من المديح ، أو من التملق والنفاق ، من تابعين له فى كل عمل وكل فكر …
وهذا الشخص أيضاً لا يقبل عتاباً ، ولا توجيهاً ، بل يغضب .
فالعتاب يشعره أنه قد أخطأ فيغضبه . والتوجيه يشعره أنه ينقصه شىء ليعرفه ، ويرى هذا ضد كرامته . بعكس الودعاء المتضعين الذين يقابلون التوجيه بشكر .
وهكذا يحجم معارفه عن التحدث معه بصراحة . وبذلك يفقد الصداقة المخلصة النصوحة .
إن الثقة الزائدة بالنفس تُوجِد داخل القلب غروراً ينفر منه الناس . والغرور يجعل صاحبه يقابل كل مناقشة بثورة إما أنه يرى مناقشته ضد الاحترام الواجب تقديمه له ، لأن أفكاره فوق مستوى النقاش . أو أنه يرى مَنْ يناقشه أقل من مستواه . وهكذا يصل إلى إستعلاء الفكر . وهذا الاستعلاء يرهق نفسيته وأعصابه .
ويتحول الجدال معه إلى عراك ، ربما يهين فيه مناقشه .
عن مثل هذا الإنسان إبعد كل البعد ، كما قال الكتاب « لا تستصحب غضوباً » … كما أن النقاش لا يأتى معه بنتيجة سوى الصراخ والصياح والإصرار على عدم الاقتناع . وهو يبرر غضبه بأن رأيه هو السليم دائماً ، ورأى غيره هو المخطىء . ويرى أنه يجب أن يدافع عن رأيه . فإن لم يملك الدليل ، فأمامه الغضب والضجيج …
كما لو كان سيكسب المناقشة بعلو الصوت ، أو يقهر غيره بغضبه عليه وإهانته له .
ولذلك فمثل هذا الغرور يدفع هذا الشخص الغضوب إلى إحتقار غيره ، واحتقار كل ما لهذا الغير من آراء وأفكار .. سبب غضبه كبرياء ، ونتيجة غضبه كبرياء ..!
هناك سبب آخر للغضب ، وهو رغبة الإنسان فى أن يتم كل شىء حسب هواه .
يريد حسب هواه 🔗
(أ) الذى يريد كل شىء حسب هواه . لابد أن يصطدم بغيره فيغضب . إنه يتضايق من الذين يقفون ضد إرادته ، أو لا يسلكون حسب هواه .
وطبيعى أن الناس يختلفون فى الفكر والاتجاه ، وفى الشعور والإرادة . ولا يمكن هذا الشخص أن يجد كل الناس يوافقونه أو يسيرون فى تياره . فإن أصر على إتجاهه ، ورفض التنازل عن هذا الهوى ، لابد أن يصطدم بالناس و يغضب ..! سواء فى داخل بيته ، أو فى مكان عمله ، أو فى دائرة نشاطه ..
(ب) وقد يغضب الإنسان لأن له رغبة لم تتحقق .
مثال ذلك الابن المدلل ، الذى يقدّم رغبات يصر على تحقيقها مهما كان الأمر . وقد يكون ذلك غير ممكن ، أو ليس من صالحه ، أو ليس مناسباً من جهة الوقت . ولكنه يغضب ، وقد يثور لأن رغبته لم تتحقق .
وقد تغضب الزوجة أيضاً بالمثل لرغبات تطلبها لم تتحقق ، ولنفس السبب قد يغضب المرؤوس من رئيسه .
بل قد يغضب الإنسان أحياناً على الله تبارك اسمه ، بسبب الصلوات التى لم تتحقق ..!
وقد يغضب من أب اعترافه ، إذ لم يوافقه على رغبة معينة ، يرى أنها ليست فى صالحه ، أو ليست فى مستواه … كما لو كان أب الاعتراف هو مجرد جهاز تنفيذ ، إن لم يوافق يعرض نفسه لغضب أبنائه . و بهذا يفقد وضعه كمرشد وقائد روحى ..!
حب التسلط 🔗
حب التسلط مرض نفسى وروحى يقع فيه كثيرون ، ولابد أن يقود إلى الغضب ، مادام هذا التسلط يريد أن يفرض إرادته على غيره ، بحق أو بغير حق .
هذا المتسلط يتدخل فى شئون غيره ، ويقيم نفسه وصيّاً أو رقيباً ، مما يؤدى إلى غضب هذا الغير ، وإلى غضب المتسلط الذى يريد خضوع غيره
فهو يريد أن يفرض رأيه فى البيت وفى العمل وفى الكنيسة ، وربما فى كل مكان يحل فيه . وإن لم يأخذوا برأيه - أو بأوامره - يغضب ! وربما يعاند و يتشاجر و يعلو صوته ، أو يفرض رأيه بالعنف ! وبالعناد وتصلب الرأى !
كالزوج فى البيت ، الذى لا يتعامل كزوج بقدر ما يتعامل كحاكم وسلطان يأمر وينهى ، مهما كانت الأوامر ممكنة التنفيذ أم لا . وويل للتى لا تطيع ..!
وكالأخ الذى يريد أن يُسيّر أخته حسب هواه ، فى دخولها وفى خروجها ، فى لبسها وفى زينتها ، فى طريقة كلامها ، فى معاملاتها … لا عن اقناع وتوعية . وإنما بالإرغام ، لمجرد فرض السلطان . وإلاَّ فقد ينتهر و يضرب و يتحكم .. بقوة …
وقد يحاول أن يفرض هواه أيضاً على والديه وإخوته ، وربما على زملائه فى الدراسة والعمل ، وإلاّ … فالغضب والصياح والعراك والعنف !!
عدم المحبة وعدم الإحترام 🔗
(أ) المعروف أن “المحبة تحتمل كل شىء” ( 1 كو 13 : 7 ) .
فإن كره شخص إنساناً ، قد يغضب عليه بسرعة ، ولا يحتمله فى أى خطأ مهما كان ضئيلاً ، بعكس أخطاء لأحبائه قد يحتملها بكل هدوء مهما كانت أشد خطأً ! وبهذا تحتمل الأم طفلها ولا تغضب عليه . ويحتمل الزوج زوجته مادام يحبها . فإن بدأ يغضب عليها ويقسو فى المعاملة ، تكون محبته بلا شك قد قلت . فإن وصل الغضب إلى الطلاق ، تكون المحبة قد زالت …
(ب) ويدخل فى هذا الباب أيضاً الحقد السابق ، والرغبة فى الانتقام أو فى الايذاء .
هذه التى تكون مترسبة فى القلب ، وتنتظر فرصة لتظهر فيها وتعبر عن مشاعرها المكبوتة ، وعن ثورتها لسبب لم يغفر بعد .
ذو الحقد السابق لا يحتاج إلى سبب حاضر ، إنما قد يغضب بلا سبب ، عنده رصيد قديم يكفيه . وربما يختلق سبباً بغير داعٍ ، كما فى قصة الذئب والحمل .
(ج) عدم إحترام شخص ما . يساعد الغضب عليه . لأن الإنسان عادة لا يغضب على مَنْ يحترمهم ، سواء كانوا كباراً من جهة المركز أو من جهة القرابة .
فإذا غضب على هؤلاء الكبار ، ورفع صوته عليهم ، يكون قد فقد إحترامه لهم .
الغضب عموماً يدل على عدم إحترام وعدم تقدير بالنسبة إلى الكبار أو إلى أى أحد . والإنسان الذى يتعود أن يحترم الكل ، ويكلم الكل برقة وأدب وتوقير لا يكلم أحداً بغضب . إلاَّ إذا إستلزم الصالح حزماً معيناً ..
الإرهاق الجسدي والعصبي 🔗
إذا كان الإنسان مرهقاً جسدياً ، من تعب ، أو قلة نوم ، أو عمل فوق الطاقة ، قد تكون أعصابه غير محتملة . فإن حدث ضغط عليه من الخارج ، قد يغضب ، و يتصرف بغير إحتمال ، بينما لا تكون طباعه هكذا .
والإنسان فى حالة الإرهاق والتعب العصبى لا يحتمل نقاشاً . فإن ناقشه أحد فغضب ، وهو يعرف أنه مرهق ، يشترك معه فى مسئولية الغضب .
لذلك على الإنسان أن يتحين الوقت المناسب للنقاش ، ولا يضغط على إنسان مرهق عاجز عن الاحتمال ، كما لا يتعب مريضاً بنقاش ، وهو فى حالة تعب أو ألم لا تساعده صحته ولا أعصابه ولا قدرته على التفكير والتركيز .
وإن المستريح جسدياً وعصبياً يجد فرصة تساعده على بحث الأمور بالتروى والهدوء ، ويكون أقدر على الاستماع وحل المشاكل . بينما الإنسان المرهق لا تكون له نفس الإمكانية . وإن حدث ضغط عليه ، قد لا تحتمله أعصابه ، و يكون عرضة للغضب أو للتوتر .
الإلحاح 🔗
(أ) وربما يكون من أسباب الإرهاق العصبى : كثرة الإلحاح .
فهناك نوع من الناس يطلب طلباً من شخص ، و يعرف أنه غير موافق عليه ، أو غير متفرغ له . ولكنه يكرر الطلب ، ويلح ويلح ، ويصر على ما يريد ، بطريقة متتابعة تتعب النفس وترهق الأعصاب ، حتى يثور عليه الشخص الذى يتقدم إليه بالطلب .
وهذا الذى ألح قد لا يظن أنه لم يقع فى خطية غضب . ولكنه مسئول لأنه كان السبب فى غضب غيره . أرهقه ، وأثاره وأعثره .
وقد ضغط عليه بما هو فوق إحتماله . وهنا ينطبق القول « نفس تؤخذ عوضاً عن نفس » وأيضاً « ويل لمَنْ تأتى من قبله العثرات » ( مت 8 : 8 ) .
لا يكفى أن الإنسان لا يغضب ، وإنما يجب ألا يتسبب فى غضب غيره .
(ب) ويقع فى نفس الخطأ مَنْ يستمر فى الكلام مع شخص مشغول غير متفرغ له .
هو أيضاً يرهقه ويثيره و يعثره و يغضبه ، لأنه غير مستطيع أن يترك مشغوليته ليتفرغ له ، بينما هذا مُصر على أن يتحدث إليه … وقد يطيل الحديث حتى يتعبه .
مثال ذلك إنسان يطلب شخصاً آخر فى مكالة تليفونية ، وهولا يعرف إن كان مشغولاً أو غير مشغول . وقد يكون معه فى نفس الوقت ضيوف . وقد رفع السماعة ظاناً أنها كلمة وتنتهى . ولكن الشخص يستمر فى الكلام . وكلما أشار إليه بأنه مشغول ، لا يبالى و يستمر يتكلم ، حتى يثيره و يغضبه .
المشغولية 🔗
شتان بين اثنين : أحدهما لديه وقت متسع للناس وأحاديثهم ومشاكلهم ومناقشاتهم . والآخر مشغول إلى أبعد حدّ ، ليس لديه وقت مطلقاً لإطالة الحديث ،
أو للتفرغ للمشاكل والمناقشات وليس لديه وقت للمقابلات أو للزيارات . إن قابل أحداً يريد أن ينتهى من موضوعه بسرعة ، لأن له أموراً أخرى تشغله .
لذلك فالمشغولون عرضة للوقوع فى الغضب ، أكثر من الذين هم فى فراغ .
التلميذ مثلاً فى فترة الامتحانات ليس لديه وقت للمقابلات والأحاديث . فإن أراد أحد أن يشغله بموضوع سيثير غضبه . وإن جاءت أسرة صديقة للزيارة فى أيام الإمتحانات ، وأطالت الجلسة والحديث ، يكون أهل البيت ضاغطين على أعصابهم بسبب إضاعة الوقت ، مهما كانت الأسرة عزيزة عليهم .
وهكذا كل زيارة أو حديث فى وقت غير مناسب .
متاعب الذكاء 🔗
أحياناً يحتاج الإنسان الذكى إلى مستوى معين يتعامل معه . لأن التعامل مع مستوى أقل بكثير ، قد يتعبه ، ويوقعه في الغضب .
مثال ذلك : إنسان يعرض عليه أمراً ، فيفهم مقصده تماماً من أول عبارة . ولكن ذلك الشخص يظل يشرح و يطيل مما لا يحتاج إليه هذا الذكى إطلاقاً .
وتكون هذه الاطالة وهذه الشروحات ثقلاً على أعصابه تتعبه . وبخاصة إن أظهر لذلك الشخص أنه فهم ما يريد أن يقول ، ومع ذلك استمر يشرح و يطيل ، كأنه مع إنسان يحتاج إلى فهم …
أو قد يحدث العكس . وهذا الانسان هو الذى يبدأ الكلام ، ويشرح . والذى يتكلم معه لا يفهم ، و يسأل أسئلة لا معنى لها ، تسبب ضيقاً .
إن الذين يتعاملون مع الأذكياء يعجبون جداً بعقلهم وفهمهم ، ولكنّهم أحياناً يشكون من غضبهم سبب ما ذكرناه وأشباهه .
لهذا فإن الأذكياء الذين يتصفون بالاحتمال وطول الروح ، هم بركة كبيرة . ولعلهم يضعون فى أذهانهم الفارق فى مقدرات مَنْ يتعاملون معهم . ويحتملونهم على هذا الأساس .
الغضب القَبَلي 🔗
أي نسبةً لعادات القبيلة ، حيث يغضب الكل لغضب واحد منهم ، ولعل هذا يوضحه قول الشاعر :
إذا غضبت عليك بنو تميم وجدت القوم كلَّهُم غضابا
وهكذا إن بحثت حالة كل فرد ، لا تجد سبباً شخصياً قد أغضبه ، إنما هو قد غضب تضامناً م غيره بروح القبيلة كما تعوّد .
وهذا الأمر يحدث كثيراً فى مجال العائلات ، والمجتمعات الصغيرة ، كما يحدث أيضاً حتى بين الدول التى تجمعها روابط معينة أو معاهدات أو تحالفات ، أو التى تكون من جنس واحد أو مذهب واحد … إلخ .
أسباب نفسية 🔗
قد يغضب الانسان مثلاً ، بسبب سوء الظن :
فإن أساء الظن بإنسان ، قد يتحب منه ، ويغضب عليه وهو برىء ، إذ — بسوء الظن — يلصق به الكثير من المتاعب . ويحمله مسئوليتها .
ويدخل فى هذا النطاق ، إن كان أحد قد أخذ فكرة رديئة عن إنسان ، ورسخت في قلبه وذهنه بعمق ، بحيث أصبح غير قادر على تغييرها . و بهذه الفكرة يغضب عليه .
وقد يغضب الإنسان أحياناً بدافع التشاؤم .
كإنسان يكره الرقم 13 فيكون مستعداً أن يتضايق بسبب أى شىء يحدث ، ملقياً المسئولية على هذا الرقم . إن كان تاريخ اليوم مثلاً أو رقم الجلوس له كطالب ، وما أشبه . ويغضب كيف وقع هذا الرقم من نصيبه ؟! وكيف لم يجد شقة لسكناه إلاَّ فى بيت رقم 13 أو مضاعفاته ؟! أو يغضب لأن رقم التليفون الذى أعطى له ، أو رقم العربة التى إشتراها يبدأ برقم 13 …!
وقد يغضب الانسان إن كانت نفسيته تعوزها البساطة .
فعن طريق فقدانه للبساطة يقع فى تعقيدات كثيرة تدفعه إلى الغضب دفعاً ، وتصور له الأمور مقلقة ! بينما لو تناول الموضوع ببساطة ، لأمكن أن يمر بسلام .
وقد يغضب الإنسان إن كان من عيوبه النفسية أنه ضيق الصدر ، أو أنه يشكو من القلق وتوقع الشر ، وما شابه ذلك … فكل ما يحدث له ، يفسره بطريقة تدفعه إلى الغضب وإلى الشكوى والتذمر .
قِلّة الحكمة 🔗
الإنسان القليل الحكمة ، لا يعرف كيف يتصرف ، لذلك يعالج كل مشاكله بالنرفزة والسخط على كل شىء .
أما الحكيم ، فإذ يجد حلاً ، لا يقع فى الكآبة والسخط ، ولا يجد سبباً للغضب ، لأن كل الأمور تسير ميسّرة …
وصدق الكتاب حينما قال « الغضب يستقر فى حضن الجُهّال » ( جا 7 : 9 ) وهم أيضاً جهال ، لأنهم يجهلون النتائج السيئة لغضبهم .
حرب شيطانية 🔗
قد يكون الغضب حرباً شيطانية يقاتل بها الإنسان ، ويوغر قلبه على أخيه ، ويحثه على قتاله . وهى إحدى الحروب المعروفة التى ذكرها الآباء ضمن حديثهم عن [ الثمانية أفكار المقاتلة للنفس ] . والشيطان يعرف أن يدبر أسباباً لها ويحبكها ، ويملأ قلب الإنسان غيظاً وحنقاً ورغبة فى القتال .
فقدان الإتضاع 🔗
قد يكون سبب الغضب إهانة من الخارج . ولكن إن كان القلب قوياً من الداخل ، فإنه يحتملها ولا يضطرب . وهذه القوة الداخلية تأتى من تواضع القلب . لذلك يرى الآباء الذى يغضب سبب إهانة ، يدل على أنه فاقد للإتضاع . وهذا هو سبب غضبه .
لذلك يقول القديس بيامون فى مقابلته مع يوحنا كاسيان :
إن الصبر الحقيقى والهدوء لا ينالان أو يحفظان بدون إتضاع عميق فى القلب . أما إذا كُنّا نضطرب عندما يهاجنا أحد ، فمن الواضح أن أساس الاتضاع لم يُوضع فينا بإحكام . ولذلك إن هبت عاصفة ولو صغيرة ، يهتز البناء كله و يضطرب .
وهكذا عندما يُقهر أحد من خطأ ، و يشتعل بنار الغضب ، يجب ألاَّ يعتبر أن مرارة الإهانة الموجهة إليه هى سبب خطيته ، وإفا بالحرى ظهور ضعفه المخفى .
وهذا حسب مثال ربنا ومخلصنا الذى قاله عن البيتين : الواحد منهما مؤسس على الصخر ، والآخر على الرمل .
فعن الاثنين يقول إن عواصف المطر والسيول والرياح صدمتهما بالتساوى . ولكن المؤسس على الصخر الصلب لم يتأذَّ على الإطلاق من قوة الصدمة. بينما المؤسس على الرمل المتحرك المتنقل ، إنهار فى الحال . وبالتأكيد يظهر أنه لم يسقط بسبب إندفاع العواصف والسيول عليه ، وإنما لأنه كان مبنياً على الرمل .
لأن القديس لا يختلف عن الخاطىء من حيث التعرض للتجربة ، إنما يختلف عنه فى أنه لا يُقهر حتى من الهجوم القوى ، بينما الآخر يُقهر حتى من أقل تجربة .
إن عقلنا - ما لم يكن مشدوداً بقوة من حماية الله الذى يقول فى الإنجيل « ملكوت الله داخلكم » ( لو 17 : 21 ) ، فباطلاً نتخيل أننا نستطيع أن نهزم ضربات العدو الهوائى بمساعدة أشخاص يعيشون معنا ، أو نتفاداها ببعد المكان ، أو نبعدها بحماية الجدران .
لذلك يلزمنا ألا نبحث عن سلامنا فيما هو خارج منا .
لأن كما أن « ملكوت الله داخلكم » ، كذلك أعداء الإنسان هم الذين من « أهل بينه » ( مت 10 : 36 ) .
فلا يوجد عدو لى أكثر من قلبى الخاص ، الذى هو حقاً من أهل بيتى ، القريب لى . وحينما يكون الذين من أهل بيتنا ( أى مشاعرنا وأفكارنا ) ليسوا ضدنا ، فإن ملكوت الله يُمكن ضمانه أيضاً فى سلام فى القلب .
فإن فحصت الأمر بتدقيق ، أجد أنه لا يُمكن أن يؤذينى أى إنسان - مهما كان مؤذياً - ما لم أحارب ضد نفسى بقلب مشاكس !
فإن أصابنى ضرر ، فالخطأ لا يرجع إلى هجوم الآخرين ، وإنما إلى عدم إحتمالى أنا شخصياً .
لأنه كما أن الطعام القوى الدسم هو صالح لإنسان فى صحة جيدة ، كذلك هو مضر لإنسان مريض ، لكنّه لا يمكن أن يضر الإنسان الذى يتناوله ، ما لم يساعده على الضرر ضعف مَنْ يتناوله .
أخطاء الآخرين 🔗
لا شك أن أخطاء الآخرين توضع فى مقدمة الأسباب الخارجية للغضب . سواء كانت هذه الأخطاء فى حق الشخص الذى يغضب ، أو فى حق الجماعة ، أو هى أخطاء ضد المبادىء والقيم .
إنها أخطاء تثير الضمير . ولكنها عند البعض تثير الأعصاب .
ومن حق الضمير أن يثور ضد الخطأ ، فهذا علامة صحية . أما ثورة الأعصاب فليست الحل السليم . إذا إرتبط عمل الضمير بالحكمة وبالهدوء ، حينئذ تعالج الأمر بغير نرفزة ، محتفظين بأعصابنا سليمة .
أول شىء في أخطاء الآخرين يثير الغضب ، هو الإهانة والإساءة .
سواء كانت موجهة لنا شخصياً ، أو لأحبائنا ، أو لعقائدنا ومثلنا وكل ما هو مقدس ومحترم فى نظرنا . وليست الإهانات الواضحة فقط ، إنما ما يظنه الشخص إهانة حسب مقاييسه الخاصة ، وحسب فهمه للأمور .
وربما لا تكون هناك إهانة فعلية قد صدرت من أحد ، إنما نقل الكلام صوّرها هكذا ، فأهاجت السامع وأغضبته .
وكم من أمور حدثت بحُسن نيّة ، ولكنها فُهِمَت بطريقة غير واضحة ، واعتبرت إهانات . ولكن التفاهم أوضحها . وبالعتاب الهادىء إتضح الأمر على حقيقته ، فزال الغضب …
وقد يكون سبب الغضب هو أخطاء الآخرين فى العمل .
كإنسان يعمل ، فيهمل فى عمله ، أو يتكاسل ، أو لا يقوم بمسئوليته بطريقة جادة ، أو يتغيب كثيراً بلا سبب مقبول ، أو لا يتقن عمله ، أو لا يكون مخلصاً وأميناً فى العمل ، أو يكون غير منتج ، أو لا تكون مواعيده سليمة … إلى سائر هذه الأسباب التى تتسبب فى غضب صاحب العمل ، أو المشرف عليه .
ومن الأسباب المثيرة أيضاً الغش والخداع فى التعامل .
حيث لا يستريح الإنسان للتعامل مع أشخاص غير مستقيمين ، أو لا يتكلمون بالصدق ، فيغضب لكذبهم وخداعهم ، ويغضب لمحاولاتهم فى ستر الكذب بخداع آخر ، وبأساليب اللف والدوران التى لا تنتهى …
عدم الطاعة 🔗
إنها من الأسباب الرئيسية للغضب بالنسبة إلى كل مَنْ هو فى مسئولية أو فى منصب . فالأب يغضب لعدم طاعة أولاده ، والرئيس يغضب لعدم طاعة مرؤوسيه . والمدرس يغضب لعدم طاعة تلاميذه .
عدم الطاعة يشعر الشخص بعدم إحترام الآخرين له ، وعدم تقديرهم لكلامه أو أوامره أو نصائحه . أو تشعره بعنادهم ولامبالاتهم . فيغضب ويثار …
وقد لا يضع الآمر فى ذهنه نوعية الأمر الذى أصدره ، ومدى إمكانية تنفيذه ، وظروف الأشخاص الذين أمرهم ، والعوائق التى وقفت أمامهم . وبدلاً من التفاهم يغضب . أو قد يكون العيب عندهم فعلاً ، وقد أخطأوا .
أسباب مالية ومادية 🔗
قد يحدث الغضب أيضاً لسبب مالي أو لأيّة خسارة مادية . وكثيراً ما تحدث مشاكل عائلية بسبب المال .
يدخل فى هذا الأمر البخل كسيب للغضب ، والإسراف أو التبذير كسبب آخر للغضب ، وكذلك الخلاف حول أمور الميراث والوصية . وكل ما يدخل فى نطاق المعاملات التجارية ، والضرائب والجمارك ، والبيع والشراء . والتلاعب بالأسعار ، وإحتكار الأسواق ، وغش الأصناف ، وحيل التنافس … وما إلى ذلك من أسباب للغضب بسبب المال .
وفى نطاق الوظائف يدخل فى أسباب الغضب ، نقص المرتب ، أو تأخر المنحة ، أو العلاوة ، أو الترقية ، أو المكافأة ، أو الحوافز ، أو الشعور بالظلم إذا قورنت معاملته المالية بمعاملة الآخرين …
وما يُقال عن المال ، يقال أيضاً عن كل المقتنيات .
فقد يحدث خلاف بين زوج وزوجته بخصوص الجهاز وآثاثات المنزل ، وكل لوازمه المادية من طعام وشراب وملابس ، وأجهزة ، وترفيهات ، ومصروفات متعددة ، ولوازم الأولاد . وكل هذا يمكن معالجته بغير غضب ، إذا وُجد الحب ..
دعوى الدفاع عن الحق 🔗
1 - كم من أناس يغضبون ويثورون بحجة الدفاع عن الحق !
والدفاع عن الحق فضيلة . ولكن ( النرفزة ) ليست وسيلة فاضلة للدفاع عن الحق . بحيث أن البعض يتشاجرون ويتشاتمون ، و يستخدمون القسوة والعنيف وإهانة الآخرين . كل ذلك باسم الحق ، والدفاع عن الحق .
والعجيب فى ذلك ، أن ضميرهم لا يوبخهم على غضبهم .
يظنون ذلك نوعاً من الغضب المقدس ! على أن الغضب المقدس ينبغى أن يكون مقدساً فى وسيلته كما فى هدفه . والشخص الذى لم يتنقَّ بعد من خطايا العنف والشتيمة والعصبية والقسوة ، هذا لم يصل بعد إلى الدرجة التى يؤتمن فيها على الدفاع عن الحق . ولعلّه يسمع عبارة :
أيها الطبيب ، إشف نفسك أولاً ( لو 4 : 23 ) .
2 - ويقول مار إسحق فى ذلك : « إن أردت أن تعرف الرجل السائب القلب . إستدل عليه من كثرة كلامه ، ومن تخبط حواسه ، ومن مقاومته لكل شىء . يقول ويريد أن يغلب . لأن الذى ذاق الحق ، ولا أيضاً بسبب الحق يقاوم ويحارن ( أى يعارك ويجادل ويحتد ) . لأن الذى يظن أنه يغير على الحق بحرانه مع الناس ، هذا إلى الآن ما عرف الحق كيف هو!.. لأنه حيث يحل الروح ، فأيضاً الحب والإتضاع يوجدان . وهذه هى علامة الروح …
3 - ومار إسحق يتحدث تحت عنوان ( الغضب ومدرسة معرفة الخير الشر ) فيرى أن من أسباب الغضب أن نفحص أعمال الناس هل هى خيرأم شر ، ونحاسبهم بالعدل ، ونبعد قى ذلك عن الحب والسلام والتواضع .
فيقول : مدرستان فى داخلنا : واحدة لمعرفة الخير والشر . والأخرى للتدرب على معرفة الحق المتعلق بالحياة والنور .
أما مدرسة معرفة الخير والشر ، فهى المختصة بأصول العدل والاختبار . وهذه تولد الغيرة والاضطراب والاحتداد والضيق والحسد والغضب ومحبة الغلبة مع باقى الآلام .
وأما مدرسة الحق - التى هى مكتب النعمة - ففيها الحب والسلام والهدوء والتواضع والصبر ، مع بقية ثمار الروح القدس التى كتب عنها بولس الرسول ( غل 5 : 22 ، 23 ) . ومن الثمرة تعرف الشجرة . فالآن يجب عليك أن تميز فى أية مدرسة أنت تتربى …
إذا دخلت النفس مكتب معرفة الخير والشر ، يلقن فيها العدل ، ويدرب على الغيرة والغيظ والحسد والحزن …
وإذا دخلت النفس مكتب معرفة الحق ، ففيه النعمة تلقن الرحمة والتحنن على الصالحين والأشرار بالسواء . وتربى القلب على الحب والسلام والفرح والهدوء مع الإتضاع والصبر على حمل الضعف وعجزه مع باقى ثمار الروح القدس .
أكثر الناس يكملون حياتهم فى مكتب العدل ، وقد جعلوا أنفسهم قضاة وحكاماً لجميع الناس ، ويزِنون الأعمال الصالحة والرديئة التى للآخرين بالعدل .
ولم يعرفوا قط أن هناك مكتباً آخر يلقن النعمة والرحمة ، حيث الحب الفائض على الجميع بلا تفريق على الصالحين والأشرار بالسواء ، لأنهم يعيشون فى جو القريب .
كثيرون بعد جهد يفلتون من مكتب العدل ، و يدخلون فى مكتب النعمة الذى أظهره سيدنا ببشارته ، حيث يعجب الإنسان بعظم مواهب الله .
الغضب بحجة إصلاح الآخرين 🔗
كثيرون يتطوعون لإصلاح الآخرين . ولكنهم يفعلون ذلك فى غضب ، وليس فى حب . وهكذا يقعون فى خطايا عديدة . إذ يظنون أن إصلاح الآخرين هو في إهانتهم وتحقيرهم والغضب عليهم . ويكون ذلك بأسلوب منفر ، لا يحببهم فى الخير .
يقول مار إسحق : الذى يشتعل بالغضب من أجل تقويم الآخرين ( أى إصلاحهم ) ، هذا ليس متواضعاً ..
ويضيف : لأن التواضع الحقيقى هو مبتعد عن كل غضب ، ونقى من سائر حركات الغيرة . ويسأل بمحبة ، وما يتألم ولا يتكدر . لأن الذى هو متواضع ، فمن البدء تتبعه قوة الاحتمال والصبر .
3 - ويوحنا كاسيان أيضاً يدين [ الغضب بحجة إصلاح الآخرين ] :
فإنه لما إستشهد بقول بولس الرسول « لينزع منكم كل غضب وكل سخط وصياح وكلام ردىء مع كل خبث » ( أف 4 : 31 ) ، عَلّق على ذلك بقوله : عندما يقول الرسول « لينزع منكم كل غضب ( أى النرفزة ) ، فإنه لا يستثنى شيئاً مهما كان لازماً أو نافعاً لنا ، حتى فى إصلاح الآخرين ، لئلا ينطبق عليه القول «أيها الطبيب إشفِ نفسك أولاً » ( لو 4 : 23 ) . أو لئلا إذ يرى قذى فى عين أخيه ، لا يرى الخشبة التى فى عينه ! إذ كيف يبصر أن يخرج القذى من عين أخيه ، وهو الذى له خشبة الغضب فى عينه ؟! ( مت 7 : 3 - 5 ) .
4 - والقديس مار أوغريس له نفس الرأى فيقول :
… هذا الأمر يصير لك ويلحقك من قِبَل العدو ، أعنى أن تفكر بغضب فى تقويم أخيك الكسلان . أما تقويم أخيك الكسلان ، فجيد هو ، وإذا ما طلبته وجدته . ولكن لا يكن ذلك بغضب لأن كل الأشياء قد تجىء بغير غضب …
انظر لئلا فيما تريد أن تشفى آخر من أمراضه النفسية ، تصير أنت فى أمراض ليس لها برء …
إجعل بالك ألا تؤلم أحداً من الإخوة عندما تصلحه ، وإلا فإنك تكون فى كل زمانك غير متخلص من شيطان الكآبة ، ويكون لك ذلك عثرة فى كل حين ، وللذى تصلى لأجله .
من أقوال الآباء 🔗
قال مار أوغريس :
المجد الباطل ، ومحبة المال ، يحركان الغضب … وقال أيضاً : الذى يطلب الكرامة يتعظم قلبه ، حتى لا يحتمل كلمة إهانة واحدة . محب المجد الباطل إذا شُتِم يحزن ، أما المتضع يحتمل بفرح .
وقال القديس أرسانيوس :
من أربعة أمور يتولد الغضب : المعاملة ، والمساومة ، والإنفراد برأيك فيما تهواه نفسك مع عدولك عن مشورة الآخرين ، واتباع شهواتك .
وقال الأنبا موسى :
بأربعة أمور يتحرك فى الإنسان الغضب : الأخذ والعطاء ، وإتمام الهوى ، ومحبة الإنسان أن يعلّم غيره ، وظنه فى نفسه أنه عاقل .
وقال مار إفرام :
هيولي النار الحطب . وهيولي الغضب : إستعلاء الرأى .
وقال القديس يوحنا الأسيوطى :
الذى يريد أن يقيم هواه فى كل شىء ، يتلف ودّ المحبة بمقاومته . فإياك أن تشتهى إقامة هواك فى كل شىء ، لئلا يبغضك الناس .
وقال أحد الرهبان :
من أجل هذا تركت عنى إرادتى ، لكى أنزع معها مسببات الغضب الذى يحارب الإرادة فى كل حين ، و يقلق العقل و يطرد المعرفة .
وقال أنبا إشعياء :
الغضب هو أنك تريد أن تقيم هواك ، وتغلب بالمقاومة ، وما تقطع هواك بالإتضاع . يقوى فيك الغضب والحنق على الذى يمنعك من تكميل هواك . وتطلب أن تعلّم . وتغضب على الذين يزدرونك . وتحب إستعمال العالم ، أعنى الغنى والمقتنى . وتغضب على مَنْ هو أغنى منك . وتحب الأخذ والعطاء . لأنه بالحقيقة من الأخذ والعطاء فى المتاجرات العالمية ، يشتد الغضب ويلتهب الحنق .
وقال الأنبا إشعياء أيضاً : أما الغضب فمن قساوة القلب .
قال الأنبا دياراخس :
يأتى الغضب من محبة الكرامة . وكأننى أحببت كرامتى أكثر من أبديتى .
وقال مار إفرام أيضاً :
مَنْ يضحك على قريبه يستنهض غضبه . والمصلح مغبوط لأنه يُدعى ابن الله .
- الجزء 1: كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث
- الجزء 2: الغضب الخاطئ الباطل | كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث
- الجزء 3: أنواع ودرجات الغضب | كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث
- الجزء 4: الإحتمال | كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث
- الجزء 5: أسباب الغضب | كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث
- الجزء 6: علاج الغضب | كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث