كل المقالات كتب أنواع ودرجات الغضب | كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث

أنواع ودرجات الغضب | كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث

· · 3114 كلمة · 15 دقيقة قراءة
كتاب الغضب ▹

الفصل الثالث : أنواع ودرجات الغضب

1 - مقدس وباطل . 2 - الغضب الخفي ( بالقلب والفكر ) . 3 - السخط والحقد . 4 - الغضب باللسان . 5 - الإنتقام . 6 - الغضب غير المباشر . 7 - الغضب الثائر العدواني . 8 - درجات من الغضب . 9 - تطور الغضب . 10 - أنواع من رد الشر بالشر .

مقدس وباطل 🔗

1 - ذكرنا من قبل أن هناك نوعين من الغضب : الغضب المقدس ، والغضب الباطل . وإن الغضب المقدس يكون لأسباب مقدسة ، وبأسلوب مقدس . ويبعد عن النرفزة والصياح والضجيج ، كما لا يكون لأسباب شخصية ، ولا لأسباب مادية . وليس بسبب الكرامة العالمية .

الغضب المقدس الذى من أجل الله ، ومن أجل القداسة والحق فلا يفقد فيه الإنسان أعصابه . إنما يتصف فيه بالحزم . وهناك فرق بين الحزم والنرفزة …

ولكن حديثنا فى هذا الفصل سيتركز على الغضب الخاطىء .

الغضب الخفي ( بالقلب والفكر ) 🔗

2- وفي الغضب الباطل يوجد أيضاً نوعان : غضب داخلي مستتر ، وغضب واضح ظاهر . والغضب الداخلى هو غضب الفكر والقلب .

أنت قد لا تسىء إلى أخيك باللسان ، وقد لا تجرحه بأيّة كلمة . وربما تبدو صامتاً لا ترد الإهانة بإهانة . ولكن مع ذلك كله قد يكون الغضب فى فكرك وفى مشاعر قلبك . قد تكون هناك ثورة فى داخلك ، ولكنها مكبوتة . وهنا لا تستطيع أن تقول أنك لم تغضب . ففي الواقع إنك غضبت ، ولكنك كتمت غضبك .

ربما كبتك لغضبك يكون لأسباب روحية أو غير روحية .

السبب الروحى هو ضبط النفس ، ومنعها من الخطأ ، وتهدئة النفس ريثما تجد حلاً روحياً لتصريف الغضب من داخلك . وفى هذه الحالة نقول إنك لم تحتمل ، وفي نفس الوقت لم تثر . إنفعلت فى داخلك ، ولكنك وقفت عند هذا الحد ، حتى لا تخطىء بلسانك ، ولا تخطىء بتصرفك ، ولا تنتقم لنفسك . وهذا طبعاً أفضل من النرفزة والحدّة .

وربما يكون كبت الغضب بسبب الخوف ..

الخوف من الشخص المخطىء إليك ، لأنه أقوى منك ، أو فى موقف رئاسى ، وتخشى نتائج الغضب فربما تؤدى إلى حالة أسوأ . وقد يكون الخوف هو من أن يأخذ الناس عنك فكرة سيئة . فتكون قد عالجت الغضب بالمجد الباطل !

وقد يكون سبب السكوت هو تجهيز للإنتقام فيما بعد :

فأنت صامت ، لا لأنك غفرت ، ولا لأنك إحتملت . وإنما لأن الفرصة الآن غير مواتية للرد . والغضب الظاهر قد يكشف نواياك ، ومن الحكمة أن تظل هذه النوايا فى الكتمان ، إلى أن يحين الوقت الذى تنتقم فيه لنفسك ، وبقوة ، وبدون أن تقع فى مسئولية …! وكل هذه خطايا مكتومة مع الغضب المكبوت .

وفي كل ذلك يكون الفكر منشغلاً بالخطية ، والقلب كذلك :

يكون غضب الإنسان مالكاً لكل مشاعر القلب . ومالكاً للفكر . و يظل ذهن الإنسان يشبع مقاصده بأفكار الرد والإنتقام ، ومحاولة أخذ حقه بأنواع وطرق شتى ، ومجازاة من أغضبه بأساليب متنوعة ، وبصور يريدها أن تحدث ، و يتخيل حدوثها كما لو كانت واقعاً . وفى هذا كله يخطىء بقلبه .

وقد تحدّث الآباء عن هذا النوع من الغضب فقالوا :

قال مار أوغريس :

لا تسلم ذاتك إلى فكر الغضب ، وتقاتل قلبك على الذى أحزنك .

إذا نظر الشياطين أننا لم نقدر على إحتمال السبّ ، حينئذ يأتون خفية ، ويحاربون العقل . حتى كأن الذين صنعنا معهم سلاماً ( غفرنا لهم ) هم عندنا . ونثور عليهم وهم ليسوا عندنا .

وقال مار إشعياء :

إن أساء إليك أخ ، وجاء آخر وعاب فيه عندك ، فاحفظ قلبك لئلا يتجدد فيه ذكر الشر الذى أساء به إليك ذلك الانسان .

إن كنت فى قلايتك . وتذكرت أن إنساناً أساء إليك وأحزنك . فقم فى الحال ، وصلِّ من أجله من كل قلبك أن يغفر الله له ولك . و بذلك تنطفىء عنك محبة مكافأة الشر بالشر .

إذا ذهبت لتتناول جسد الرب ودمه الأقدسين ، فإياك أن يكون فى قلبك حقد

أو غيظ على إنسان . فإن علمت أن فى قلب إنسان شيئاً ضدك ، فاذهب واطلب مغفرته ، لئلا تأخذ دينونة لنفسك وهلاكاً .

إن الإنسان الذى فى قلبه مكافأة شر لأخيه ، جميع عمله باطل .

السخط والحقد 🔗

قال يوحنا كاسيان :

ماذا عساي أن أقول عن أولئك الذين حتى غروب الشمس لا يضعون حداً لحقدهم ، وإنما يطيلونه إلى أيام عديدة . ويغذّون شعور الضغينة نحو الذين أثيروا ضدهم ، ويقولون بالكلام إنهم ليسوا غضبانين ! ولكنهم فى الواقع والعمل متعكرون للغاية . إذ لا يكلمونهم بمسرة ، ولا يخاطبونهم باللطف المألوف .

ويظنون أنهم لا يخطئون فى هذا . لأنهم لا يطلبون إنتقاماً لأنفسهم مما أصابهم ! ولكن حيث أنهم لا يجرأون - أو لا يستطيعون على أيّة الحالات أن يظهروا غضبهم علناً - فإنهم لأجل خسارتهم يسوقون إلى داخلهم سم الغضب ، و يلاطفونه سراً فى قلوبهم ، في صمت يتغذون عليه فى أنفسهم ..!

ولكن يبدو أن هذا ليس هو النهاية عند كل أحد .

فالبعض لا يستطيعون أن يرضوا سخطهم وحقدهم تماماً ، إلاَّ إذا نفذوا دافع الغضب إلى أقصى ما يستطيعون . ونعرف أن هذا هو حال أولئك الذين يكبحون مشاعرهم - ليست بغرض تهدئتها ، وإنما لأن فُرصة الإنتقام تعوزهم ! - لأنهم لا يقدرون أن يفعلوا شيئاً ضد الذين غضبوا عليهم أكثر من أن يتكلموا معهم بدون اللطف المُعتاد .

إن السخط الذى يربى فى القلب . فعلى الرغم من أنه قد لا يؤذى الناس المحيطين ، إلاَّ أنه يطرد بهجة نور الروح القدس ( من قلب صاحبه ) مساوياً فى ذلك للسخط الذى يظهر علانية .

قال مار افرام :

مَنْ يخفى فى قلبه حقداً ، يضاهى مَنْ يربى فى حجره حية .

الدخان يطرد النحل . والحقد يطرد المعرفة من القلب .

وقال شيخ ( من البستان ) :

مَنْ يحقد على أخيه ، قد خزّن ذنوبه فى ذاته وختم عليها .

الغضب باللسان 🔗

4 - قد لا يقتصر الغضب على مشاعر القلب ، أو أفكار العقل . وإنما قد يحاول الغضوب أن يُعبّر عن غضبه باللسان ، فيشتم أو يسبّ ، أو يدين ، أو يهدد ، و يتوعد بالإنتقام … و يقع فى كثير من أخطاء اللسان واشباهها .

قال القديس أوغسطينوس :

إنه يهدد كما لو كان سيحيا على الدوام . لا يفكر فى نفسه أنه يمكن أن يموت فجأة وهو يتكلم . لا يتذكر المكتوب « تخرج أرواحهم ، فيعودون إلى ترابهم . فى ذلك اليوم تهلك كل أفكارهم » ( مز 146 : 4 ) . ولكن الذى لا يفكر فى اليوم الأخير ، يتكلم بكبرياء : … سأفعل كذا . سأريك . ستعرف مع مَنْ يجب أن تتصرف . سوف لا أجعلك تعيش …!

وأنت ، ربما لا تكون قد تلفظت بأمثال هذه الكلمات . ولكنك فكرت فيها فى أعماق مَخادِع الفكر الداخلية ، وعلى الأقل قد إنحصرت بالشهوة الرديئة فى الإنتقام . فيجب على الأقل أن تقمعها داخل فكرك .

الإنتقام 🔗

5 - الغضب فى طبيعته حركة إنتقامية ، يريد بها الإنسان أن ينتقم لنفسه ويرد الشر بالشر . غير أنه أحياناً يتمم هذه الرغبة الإنتقامية وأحياناً يقف عند حد . والإنتقام درجات …

يقول القديس أوغسطينوس :

ما هو الغضب ؟ إنه شهوة الإنتقام . يشتهى الإنسان أن ينتقم لنفسه . بينما الله لم ينتقم بعد . ومازال بطول أناته يننظر أن يرجع الخطاة …

ومن نكون نحن حتى نطلب الإنتقام . ثُرى لو طلب الله الإنتقام منّا ، أين يكون مصيرنا ؟ إننا فى كل يوم نخطىء إلى الله الذى لم يسء إلينا فى أى أمر . والله لا يشاء أن ينتقم لنفسه مِنّا . فهل نطلب نحن أن ننتقم لأنفسنا ؟ اغفروا إذن . مِن كل قلوبكم اغفروا …

ويتحدث القديس ذهبى الفم عن اضرار الإنتقام علينا ، فيقول :

الإنتقام هو شر عظيم ، لدرجة أنه يسحب حقاً رحة الله ، ويلغى المغفرة التى منحت من قبل لخطايا غير محصاة . لأن الذى سومح على دين عشرة آلآف وزنة ، وبعد أن نال نعمة عظيمة كهذه لمجرد سؤاله … حدث أنه لما قسا على رفيقه مطالباً بمائة دينار ، سُلِّم للمعذبين . وطولب بأن يدفع العشرة آلاف وزنة ، ولم يُسمَح له بتقديم أى عذر أو دفاع ، وإنما تحمل أقصى عقوبة . وطولب بأن يُسلّم كل الدين الذى كان الله المحب الرحوم قد سامحه فيه من قبل ( مت 18 : 23 - 35 )

الغضب غير المباشر 🔗

6 - ولعلّ من أمثلته الواضحة ما يُمكن تسميته بالصمت المثير :

فقد يوجد شخص أعصابه قوية جداً ، يقف فى منتهى البرود ، والجو يغلى ، دون أن يغضب ، و يستطيع ببروده وصمته أن يثير الطرف الآخر ، ويجعله يغضب ويخطىء . ويظن أنه برىء ولم يرتكب خطأ ، بينما هو المُتسبّب فى خطأ أخيه . وكان يُمكنه بكلمة لطيفة أو عبارة هادئة ، أن يهدىء هذا الذى يتكلم معه .

إنه مسئول عن غضب زميله ، لأنه أعثره وأثاره وأسقطه :

فليس الطلوب فقط هو أنك لا تَغضَب ، وإنما أيضاً لا تتسبب فى غضب غيرك . وقد شرح هذا الأمر القديس الأنبا يوسف فى لقائه مع يوحنا كاسيان .

قال الأنبا يوسف :

نهزأ هكذا بإخوتنا الغاضبين ، حتى أننا بنظراتنا الصامتة نستفزهم إلى الغضب أكثر من إثارتهم بتوبيخات غاضبة . وفي نفس الوقت نظن أننا لسنا مذنبين في شىء أمام الله لأننا لم نسمعم بأن يخرج من شفاهنا شىء يشوبنا أو يديننا في حكم الناس ! كما لو أنه فى نظر الله مُجرَّد الكلمات فقط هى التى تدعى خطأ !

إن دَيّاننا سيسأل فى إمعان نظر : ليس فقط كيف قامت المعركة . وانما بغلطة مَنْ قامت ؟ … ليست المسئولية فقط فى أن يدفع إنسان بيده رجلاً أعمى إلى أسفل . بل قد يساويه فى الذنب . مَنْ امتنع عن أن ينقذ ذلك الأعمى - وهو على حافة السقوط فى حفرة - حين كان ذلك فى قدرته وقت سقوطه .

لذلك ليست فضيلة أن يمسك إنسان لسانه ، بينما يتصنع ملامح معينة بها يزداد غضب مَنْ كان يجب عليه معالجته ، وقد أصبح بهذا مسئولاً عن خسارته وتلفه .

أليس الإنسان لأجل هذا السبب يعتبر أكثر ذنباً ؟! لأنه حاول أن يحصل على فخر لنفسه — بصمته — عن طريق سقوط أخيه !

هناك نوع من الغضب عكس هذا تماماً وهو :

الغضب الثائر العدواني 🔗

7 - وهو الغضب الذي يعلو فيه الصوت ، ويحتد . وقد يتحول إلى الضرب أو الإعتداء ، أو على الأقل يصل إلى الإهانة والشتيمة والتجريح .

وقد يكون فى هذا الغضب نوع من الإيذاء ، يضر به الإنسان فى معيشته ، أو فى سمعته ، أو يتهمه بإتهامات توقعه فى أضرار جسيمة ، أو يحرض عليه مَنْ يهينه أو يعتدى عليه … وقمة هذا الغضب قد تصل إلى القتل …

درجات من الغضب 🔗

8 - قال القديس سيرابيون : توجد ثلاثة أنواع من الغضب :

(أ) نوع من الغضب يثور فى الداخل .

(ب) نوع آخر ينفجر فى الكلمات والعمل والتصرف … وهو الذى تحدّث عنه الرسول بقوله : « اطرحوا عنكم كل غضب وسخط » ( كو 3 : 8 ).

(ج) النوع الثالث وهو ليس مثل هذين يغلى ويعمل فى ساعة ، ولكنه يستمر أياماً وفترات طويلة .

وهذه الثلاثة كلها ينبغى أن تُدان مِنّا باشمئزاز .

وقال القديس أوغسطينوس :

[ وذلك فى شرحه لعبارتى « باطلاً ، ورقاً » ، و « يا أحمق » ( مت 5 : 22 )]:

إنه يوجد تدرج فى الخطايا المُشار إليها :

(أ) فالأول غضبان ويحفظ الشعور مخفياً فى قلبه .

(ب) أما إذا نتج عن هذا الشعور تعبير من الغضب ليس له أى معنى محدد ، ولكنه يوضح شعور العقل هذا بواسطة الإنفعال .. فإن هذا بالتأكيد أكثر من حالة قيام الغضب وكبحه بالصمت .

(ج) أما إذا كان الأمر ليس مجرد تعبير عن الغضب ، وإنما سُمعت كلمة يستخدمها المجتمع فى نقد واضح ضد الشخص الذى وجهت إليه ، فمن يشك فى أن هذا أكثر …؟!

فإن كان لا يجوز الغضب على الأخ باطلاً ، ولا قول رقا ، ولا قول يا أحمق ، فبالأحرى لا يجوز إطلاقاً أن يُحتفظ بشىء من التحقير فى العقل .

لأن هذا التحقير قد يتحول إلى كراهية ..

وعن هذه قيل فى موضع آخر « لا تغرب الشمس على غيظكم » ( أف 4 : 26 ) .

وقال القديس أوغسطينوس إنه لا ينجو من هذه كلها ، إلاَّ الذى لم ينتفخ بروح المجد الباطل .

ثم تحدّث القديس باستفاضة عن الغضب والبغضة :

فقال : لأنه ما هو الغضب ؟ هو شهوة الإنتقام . وما هى البغضة ؟ هى غضب مزمن . لأنه إذا تأصل الغضب ، فإنه يدعى بغضة … وقد تحول بطول الاستمرار ..

الغضب عبارة عن قذى ، والكراهية خشبة .

قد نجد أحياناً خطأ فى شخص غضبان . إلاَّ أننا نستبقى الكراهية فى قلوبنا من نحوه . ويقول السيد المسيح « لماذا تنظر القذى الذى فى عين أخيك . وأما الخشبة التى فى عينك فلا تفطن لا ؟! » ( مت 7 : 3 ) . كيف نما القذى وتحول

إلى خشبة ؟ لأنه لم يُستأصل فى الحال . لأنك لم تبالِ أن تشرق الشمس وتغرب مراراً على غيظك ، فجعلته يتأصل …

إرتعد إذن على الأقل مِن الذى قال :

« مَنْ يبغض أخاه ، فهر قاتل نفس » ( 1 يو 3 : 15 )

إنك لم تجرد سيفاً ، ولم تجرح ولم تقتل به أحداً . إنما هى مجرد فكرة البغضة فى قلبك ، وبها أعتبرت قاتلاً ومذنباً أمام الله . الرجل الآخر حىّ ، إلاَّ أنك قد قتلته ، فى قلبك …

اصلحوا إذن نفوسكم وقوّموها . وإن كانت فى بيوتكم حيّات وعقارب ، ألا تتعبون لتنظيف بيوتكم منها ، لكى تستطيعوا أن تسكنوها باطمئنان ؟!

إنكم تجعلون الغضب يزمن فى قلوبكم . وهناك تنمو أنواع كثيرة من البغضة ، من الخشب ، وتنمو كثير من العقارب ومن الحيات . ألا تنظفوا إذن بيت الله الذى هو قلوبكم ؟ ليتكم تنفذون ما تقولونه فى صلواتكم « كما نغفر نحن أيضاً … » وهكذا تقولون فى ضمان « اغفر لنا .. »

تطور الغضب 🔗

9 - قال القديس دوروثيئوس :

الذى هزم الإنفعال ، فقد هزم الشياطين … ولكن ماذا نقول عن أنفسنا عندما لا نستسلم فقط للإنفعال والغضب ، وإنما أيضاً نستمر حانقين ؟!

كثيراً ما تقوم المتاعب والمضايقات بين الإخوة . ولكنهم - كقاعدة - يسرعون إلى تسوية هذه الخلافات ويهدأون . ولكن قد يحدث فى بعض الأحيان أن أخاً - ‏بعد أن ينحنى لأخيه ويقيم السلام - يستمر يغذى شعوراً فى قلبه ضد أخيه ، ‏ويلصق بأفكار ضده .

هذا حنق أو حقد . ويلزم حرص كبير ، حتى لا يقسو الشخص فيه و يهلك . إن الذى أقام سلاماً فى الحال مع شخص آخر بعد تهيج منه ، هذا قد عالج الغضب . ولكنه ( إذا استمر يغذى شعوراً ضده فى قلبه ) يكون مستبقياً الحنق ، لأنه مستمر فى إستيائه من أخيه .

لأن الحنق شىء ، والغضب شىء آخر ، والانفعال أو التهيج شىء ثالث ، والاضطراب شىء آخر .

ولكى نفهم الأمر بوضوح أكثر ، سنقدم لك مثالاً :

مثال الفحمة المشتعلة 🔗

(أ) لكى تشعل ناراً ، يأخذ الشخص قطعة صغيرة من الفحم ويشعلها . هذه هى كلمة الأخ الذى أساء إليك . إن إستطعت أن تحتملها ، فقد أطفأت الفحم .

(ب) ولكن إن فكرت : [ لماذا قال ذلك ؟ وإن كان هذا هو الحال ، فإنى أنا أيضاً سأقول له كذا وكذا . ولو لم يكن يقصد أن يسىء إلىَّ ، ما كان قد قال تلك الكلمة . فبالتأكيد يجب أن أسىء إليه بالمِثل ] .

ها أنت تضع بعض الوقود أو ما شابه ذلك لتبدأ النار . وتكون قد أنتجت دخاناً الذى هو الاضطراب .

(ج) والاضطراب هو حركة وتقلب فى الأفكار ، تقوم وتهيج القلب .

والتهيج هو قيام إنتقامى ضد الشخص الذى أساء إليك . وهو يثير الجسارة . وقد قال القديس مرقس [ سوء النية إذ تغذيها الأفكار . تهيج القلب . ولكن الصلاة تقتلها ] .

لو كنت قد إحتملت تلك الكلمة الصغيرة التى قالها أخوك . كنت قد أطفأت الفحمة الصغيرة قبل أن تنتج اضطراباً . ولاتزال بعد تستطيع إن أردت أن تطفىء حتى الاضطراب فى بدايته بالصمت والصلاة . وحتى بمجرد إنحناءة من القلب .

(د) أما إذا إستمررت تدخن ، أى أن تهيج وتثير القلب بالأفكار : [ لماذا فعل ..؟ وأنا أيضاً بالمِثل …] ، فإن هذا سيشمل القلب ويولد إلتهاب التهيج . وإن أردت تستطيع أن تطفىء حتى التهيج ، قبل أن يقود إلى الغضب ( النرفزة )

(هـ) ولكن إن استمررت تثير وتهيج نفسك ، فإنك تكون مثل إنسان يضيف وقوداً إلى النار . وهكذا تنتج لهيباً الذى هو الغضب .

والغضب إذا إستمر ، يتحول إلى حقد ، لا يتخلص منه الشخص إلاَّ بعد أن يسفك دمه ، أى عرقه وجهده وتعب نفسه !!

وهكذا سمعت عن معنى الإضطراب والتهيج والغضب والحقد .

فهل رأيت إذن ، كيف أنه من كلمة واحدة أتى هذا الشر ؟! لأنك إن كنت قد لمت نفسك من الابتداء ، واحتملت بصبر كلمة أخيك ، عوضاً عن أن تنتقم لنفسك منه بكلمتين أو بخمسة وهكذا ترد الشر بالشر ، نعم لو كنت قد إحتملت ، لكنت قد تخلصت من كل هذه الشرور . لذلك أقول لك :

تخلّص من الآلام دائماً ، وهى لاتزال صغيرة ..

وذلك قبل أن تتأصل وتقوى فيك ، وتبدأ فى أن تضعفك وتجعلك تقاسى الكثير منها .

شىء هو أن تجتثّ ورقة عشب صغيرة . وشىء آخر هو أن تقتلعها من جذورها بعد أن صارت شجرة .

درجات من مكافأة الشر بالشر 🔗

10 - تعرض القديس دوروثيئوس لهذا الموضوع أيضاً فقال :

1 - يستطيع واحد أن يرد الشر بالشر ، وإنما بالكلام والتعبير . وقد يظن أنه لا يرد الشر بالشر بالفعل ، ولكنه فى الحقيقة قد يرده بكلمة أو عبارة أو إشارة أو نظرة ، لأن كل هذا يقدر أن يسىء إلى أخيه ، وهذا أيضاً هو رد الشر بالشر .

2 - وآخر لا يحاول أن ينتقم بالفعل ، ولا بكلمة أو عبارة أو إيماءة . ولكنه فى قلبه يسكن الحقد ضد أخيه ، وفيه مرارة ضده .

3 - وآخر ليست فيه مرارة ضد أخيه . ولكنه إن سمع شخصاً يسبه أو ينتقده أو يقلل من شأنه ، فإنه يبتهج . وهكذا يرد الشر بالشر فى قلبه .

4 - وآخر لا يغذى حقداً فى قلبه ، ولا يبتهج بسماع تحقير مَنْ أساء إليه ، بل قد يحزن لشتمه . ولكنه لا يفرح بنجاحه . مثال ذلك إنه قد يتضايق إذا مدح أو كرم . هذا أيضاً لون من الحقد .

5 - يحدث أحياناً أنه إن أساء أحد إلى آخر ، فإنهما ينحنيان الواحد للآخر و يصطلحان . وهكذا يعيش الواحد منهما فى سلام مع مَنْ أساء إليه ، ولا تكون فى قلبه أفكار ضده . ولكن قد يحدث بعد مضى بعض الوقت أن يقول هذا المسىء شيئاً ضاراً عنه ، فيبدأ أن يتذكر الإساءة السابقة ، و يضطرب ، ليس فقط من الثانية ، بل بسبب الأولى أيضاً .

مثل هذا الإنسان يشبه شخصاً قد غطّى جرحه بقطعة من الشاش . الجرح قد إلتأم ، ولكن موضعه لايزال حساساً . ولذلك إن إصطدم بشىء صلب ، فإنه فى الحال يبدأ أن يدمى . وهذا يعنى أن الجرح قد غطى ، ولكنه لم يشفَ بالتمام . مازال هناك أثر للحقد ، بسببه ينفتح الجرح بسهولة إذا إرتطم بأقل إرتطامة ..

كتاب الغضب ▹
التصنيفات: كتب
مشاركة: