كل المقالات كتب علاج الغضب | كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث

علاج الغضب | كتاب الغضب - البابا شنودة الثالث

· · 8644 كلمة · 41 دقيقة قراءة
كتاب الغضب ▹

الفصل السادس : علاج الغضب

1 - بالتواضع . 2 - بلوم النفس . 3 - إعتبار المُسيىء كطبيب . 4 - الرد بالآيات . 5 - الإبطاء في الغضب . 6 - الجواب اللين . 7 - الحكمة . 8 - تذكر نتائج الغضب السيئة . 9 - عدم التدرج إلى أسوأ . 10 - نقاوة القلب وليس الاإنطواء . 11 - المحبة والإحسان والهدايا . 12 - التفاهم والعتاب . 13 - التصريف وليس الترسيب . 14 - معالجة الغضب بست فضائل . 15 - تذكر مثال الله . 16 - هدوء الصوت والملامح . 17 - تداريب متنوعة .

هناك وسائل كثيرة لتفادى الغضب ، ولمقاومته ، ولعلاجه بالكلية . ونذكر من بين هذه الوسائل :

تواضع القلب 🔗

قال القديس دوروثيئوس عبارة جميلة هى :

[ الإنسان المتواضع لا يُغضِب أحداً ، ولا يَغضَب من أحد ] .

ذلك أنه باستمرار يأتى بالملامة على نفسه فى كل شىء ، ولا يحسب أن أحداً قد أساء إليه ، بل أنه يرى كل ما يحدث له هو سبب خطاياه … وإن كان لا يسمح لنفسه بأن يلوم أحداً ، ولا فى فكره ، فبالتالى لا يغضب على أحد ..

المتواضع يطلب بركة كل أحد ، وصلاة كل أحد . لذلك هو لا يُغضِب أحداً ، بل بالحرى يطلب صلواته .

الذى يغضب يعتقد أنه على صواب ، ولذلك يغضب لأنه يرى أن إساءة قد لحقت به بدون وجه حق . وهكذا نراه يُركّز على أخطاء غيره ، و يثور على أخطاء غيره ، بينما المتواضع لا يفكر إلاَّ فى خطاياه هو . ويرى أنه يستحق ما أساء به الناس إليه ، بل يستحق ما هو أكثر من إساءاتهم . لذلك فلا مجال إذن للغضب عليهم . وأفضل ردّ هو أن يقول مع اللص اليمين :

« نحن بعدل جوزينا … ننال إستحقاق ما فعلنا » ( لو 23 : 41 ) .

لذلك فإنه لا يوجد فى داخل المتواضع ما يثيره ضد مَنْ أساء إليه . بل أنه أكثر من ذلك لا يشعر إطلاقاً أن هناك إساءة قد وجهت إليه . فربما النقيصة التى نسبت إليه هى حقيقة موجودة فيه . هكذا المتواضع …

أما الذى يغضب . فهو الذى يبرر نفسه . لذلك يثور على النقص الذى يُنسب إليه .

وفيما يثور يحتج على ما وُصف به من أخطاء ، ويرى أنها إهانات ومسبّة لا يصح أن توجه إليه . ويدافع عن نفسه بكل قوة ، وينسب إلى مَنْ ( أساء ) إليه ، الظلم والكذب والإفتراء والإعتداء على كرامة الأبرياء … إلخ .. وعكس ذلك المتضع :

إننا عندما نغضب من غيرنا ، نكون قد نسينا خطايانا الخاصة ولم نعد نذكرها ، ولم نعد نتبكت عليها !

لأن الذى ينشغل بخطاياه ، ويضعها أمامه فى كل حين ، لا يفكر أبداً فى خطايا الآخرين ، سواء ضده أو ضد غيره . أما الذى ينشغل بخطايا الآخرين ، فواضح أنه لا يفكر فى خطاياه … و يكون قد بَعد عن إتضاع القلب .

يقول مار إسحق :

إذا ما بدأت أفكار التواضع تتحرك فيك ، متأسسة برحمة الله ، فمن قبل كل شىء يؤخذ منك الضجر ، ويُعطى لك إعتراف وشكر دائم … وتجد ذاتك على الدوام مذنباً إلى كل أحد فى كل حين . ولن يظهر أن أحداً من الناس قد أساء إليك أبداً . بل فى جميع الشرور التى تحدث لك ، تجد أنك أنت ذاتك هو السبب فى حدوثها ، وكذلك فى كل ما يحدث لك من ضنك وحزن .

وباقتصار أقول لك الحق : مادمت لم تجد التواضع بعد ، فأكثر من كل شىء تتجرب بالضجر . والضجر يولد لك الملامات . وعلى الدوام تجد كثرة من الناس قد أساءوا إليك .

  • وقال : كمال الاتضاع هو إحتمال الوقائع الكاذبة بفرح .

  • قال شيخ : إن أردت أن تنجح فى إطفاء الغضب والرجز ، فاقتنِ الإتضاع … لأن الاتضاع يحرق الشياطين .

  • وقال القديس سمعان العمودى :

الشرور هى مرتبطة بعضها بالبعض الآخر ، لأن البغضة هى من الغضب . والغضب من الكبرياء . والكبرياء من المجد الفارغ . والمجد الفارغ هو من قلة الإيمان …

  • حقاً إن شيطان المجد الباطل إذا سار فى طريق ، يقول له شيطان الغضب : خذنى معك .

لذلك نقول : إذا أراد إنسان أن يقاوم الغضب ، عليه أن يقاوم محبة المديح والكرامة ، وكل مظاهر الكبرياء والمجد الباطل ومحبة العظمة . لأنه إن تمسك بأمثال هذه الأمور ، لن يستطيع أن يقاوم الغضب ، ولابد أنه سيثور لكرامته . وسوف يقول له شيطان المجد الباطل : كيف يعاملونك هكذا ؟! وكيف تقبل على نفسك هذا الوضع وهذا الكلام ؟! وكيف تسكت ولا تمحو الاهانة التى أصابتك ؟! ….

  • أخ سأل الأنبا بفنوتيوس قائلاً :

[ يا أبتاه ، لقد أتى بعض الإخوة إلى أبى ، ولست قادراً على السكنى معهم ] . فأجابه القديس [ لو كان فيك إتضاع ، لاستطعت السكنى مع الوحوش . فكم بالأحرى الإخوة ] .

  • وقال القديس أوغسطينوس :

عندما يصيب البعض أذى ، فهى الكبرياء التى تجعله يرغب فى الانتقام .. كما لو كانت عقوبة الغير يمكنها أن تنفعه بشىء ..! وكأنه يبحث عن علاجه فى معاقبة غيره !

  • وقال القديس باسيليوس : إن إعتياد التواضع يقطع الغضب من النفس … بينمنا الكبرياء تقيم الغضب …

  • قال شيخ : إياك والقساوة . فإن شيطاناً لا يخرج شيطاناً .

  • والآباء يرون أن المتواضع يفكر فى أبديته فلا يغضب ، متذكراً أنه سيقف أمام الله فى يوم الدينونة العظيم ليعطى حساباً عن أخطائه ، لذلك فهو لا يزيدها بالغضب …

  • قال القديس دوروثيئوس :

مَنْ يضجر من شدائد هذا الدهر ، فهو جاهل بشدائد الدهر العتيد ، وافتراق النفس عن الجسد ، والصعوبات التى ستنالها ، وكيف تنسى تصرف هذا الدهر . فينبغى أن نذكر بلا نسيان الأعمال التى سَنُدان عليها .

ويذكرنا هذا بقول القديس دياراخس : إننى فى ساعة الغضب أكون مهتماً بأبديتى أكثر من كرامتى !

إن علاج الغضب بالاتضاع موضوع واسع كثير التفاصيل . ولكى نفهمه بأكثر وضوح ، ننتقل إلى نقطة أخرى يتصف بها المتضعون ، وتساعدهم على عدم الغضب وهي : لوم النفس …

لوم النفس 🔗

الإنسان الذى يلوم نفسه فى كل ما يحدث له ، لا يلوم غيره . وهكذا لا يجد سبباً للغضب .

فأنت تغضب لأنك تأتى باللوم على غيرك وتراه مستحقاً لغضبك .

أما إذا وصلت إلى فضيلة لوم النفس ، فإن الغضب يبعد عنك تلقائياً ، أقصد غضبك على الآخرين . وذلك لأنك تكون قد وجهت طاقتك الغضبية ، لتغضب بها على نفسك .

لأنك إن كنت باراً فى عينى نفسك ، يظهر لك جميع مَنْ اصطدموا بك مخطئين . أما إذا كنت خاطئاً فى عينى نفسك ، فإنك تشعر أن الجميع أبر منك ، ولا ترى أن أحداً قد أساء إليك .

  • فى إحدى المرات زار البابا ثاوفيلس جبل نتريا المشهور بالمتوحدين وقال للأب الروحى لرهبان ذلك الجبل [ ما الذى اتقنتموه من الفضائل أيها الأب طول هذا الزمان ؟ ] فأجاب الشيخ المتوحد :

[ صدقنى يا أبى ، لا يوجد أفضل من أن يرجع الإنسان بالملامة على نفسه في كل شئ ] ..

  • ولكن كيف يمكن ممارسة هذه الفضيلة ، إذا إصطدم إنسان بآخر ، بحيث يكون صادقاً مع فكره أو ضميره ، ولا تكون ملامته لنفسه مجرد ملامة زائفة أو مصطنعة ، هو فى أعماقه لا يصدقها ؟

يشرح القديس دوروثيئوس هذا الأمر فيقول :

لماذا يحدث فى بعض الأحيان أن يسمع إنسان شتائم فلا يهتم بها ، وإنما يحتملها غير مضطرب كما لو كان لم يسمعها ! بينما فى أوقات أخرى يضطرب فى الحال عند سماعها ؟

الناس يضطربون … إما لأنهم ليسوا فى حالة داخلية حسنة . أو لأنهم يكرهون مَنْ يشتمهم . أو لأسباب أخرى . ولكن السبب الأساسى للاضطراب ، هو أننا لا نلوم أنفسنا .

وقد وضح القديس دوروثيئوس الأمر فى النقاط الآتية :

1 - إن وقعت ضيقة على المتواضع ، فبسرعة يلوم نفسه انه يستحقها . ولا يلوم أو يوبخ أحداً . وهكذا يحتمل كل شىء يصيبه ، بسرعة ، و بدون إضطراب ، وبدون حزن ، وبهدوء كامل . وبهذا لا يغضب من أحد ، ولا يُغضِب أحداً .

2 - ربما يقول البعض : [ إذا أساء إليَّ أخ ، وفحصت ذاتى فوجدت أننى لم أقدم له سبباً ، فكيف يمكننى أن ألوم نفسى ؟! ] .

فى الواقع إذا إختبر الإنسان نفسه فى خوف الله ، فإنه سيجد أنه كان السبب ، إما بكلمة ، أو بفعل ، أو بنظرة …

3 - وعلى أية الحالات إن ثبت أنه فى هذه المرة لم يُعطِ سبباً ، فربما يكون قد أساء إليه فى وقت آخر بطريقة ما ، أو ربما يكون قد أساء إلى أخ آخر ( يحبه ) .

4 - أو ربما يكون قد أساء إلى إنسان آخر ، وعليه أن يحتمل من أجل ذلك .

5 - أو ربا يكون السبب من أجل خطية أخرى إرتكبها .

ولذلك فإنى أقول إنه إن فحص الإنسان نفسه بخوف الله ، وفى حزم يسأل ضميره ، فإنه لا يمكنه أن يفشل فى أن يجد نفسه مذنباً . وهكذا يلوم نفسه .

  • وقال القديس دوروثيئوس أيضاً :

فى كل مناسبة يجب أن ننظر إلى فوق ، سواء فعل البعض نحونا خيراً ، أو تحملنا الأذى من أى أحد . يجب أن ننظر إلى فوق ، ونشكر الله على كل ما يحدث لنا … معتبرين كل الخير الذى يحدث لنا أنه من عمل تدبير الله الرحيم . وأن كل الشر هو نتيجة لخطايانا الخاصة .

قال الأنبا بيمن :

حينما يذهب الإنسان الذى يلوم نفسه ، فإنه - فى أى ضرر أو إهانة أو أيّة ضيقة أخرى تحل به - يعتبر نفسه مقدماً أنه يستحق كل شىء غير سار . وهذا فإنه لا يضطرب أبداً … فهل توجد حالة أكثر من هذه تخلصاً من الحزن ؟!

يقول القديس مرقس الناسك :

  • توجد فى العقل ثلاث مناطق : الطبيعية ، والفائقة للطبيعة ، والمضادة للطبيعة :

فعندما يدخل العقل فى منطقته الطبيعية ، يجد ذاته أنه هو سبب الأفكار الشريرة والآلام ، و يعترف لله بخطاياه .

ولكنه عندما يدخل فى المنطقة المضادة للطبيعة ، ينسى عدل الله ، ويحارب الناس ظاناً أن معاملتهم له غير لائقة .

أما عندما يرتفع إلى المنطقة الفائقة للطبيعة ، فإنه يجد فى ذاته ثمار الروح القدس التى أظهرها الرسول « محبة فرح سلام … وما أشبه » ( غل 5 : 22 ، 23 ) .

  • وقال أيضاً : يستحيل أن تغفر إساءات الناس من كل القلب ، بدون المعرفة الحقيقية . لأن هذه المعرفة تظهر لكل أحد أن ما يصيبه هو مستحق له .

قال القديس برصنوفيوس :

إن عرض للإخوة - إما عن نسيان أو سهو - فلم يعاملوك بما كان ينبغى أن يعاملوك به من الجميل ، قل [ لو شاء الله ذلك ، لكانوا قد فعلوه بى ] . وإن هم أتوك ، فاقبلهم بسرور وقل : [ إنى غير مستحق ] . ودع عنك تزكية نفسك . أما إن كنت تقول إنك حسناً قلت ، وحسناً فهمت ، فلا حسناً قلت ولا حسناً فهمت .

قال القديس الأنبا أنطونيوس :

ينبغى لمَنْ يُشتَم ، أن يعتقد فى نفسه أنه هو السبب فى شتمه لسوء فعله . فيصبح الشاتم مذللاً له من الخارج ، فى الوقت الذى يكون هو فيه مذللاً لنفسه من الداخل . مثله فى ذلك داود النبى الذى منع أصحابه من قتل شاتمه ، إذ قال هم « دعوه فإن الرب جعله يشتمنى . دعوه حتى ينظر الرب ذلى ويرحمنى » ( 2 صم 16 : 11 ، 12 ) .‏

قال الأنبا إشعياء :

إذا شتمك إنسان . فلا تجبه حتى يسكت . وفتش نفسك بخوف الله ، فلعلك تجد أن ما سمعته كائن فيك ، وأن العلة هى منك …

وقال مار إسحق :

  • الذى يلوم نفسه على الدوام ، ويشجبها تحت كل إنسان ، ترتعب منه الشياطين ، ولا يقترب منه شيطان الغضب والحسد والحزن . وتمتلىء نفسه أمناً وسلاماً وحباً وفرحاً . و يصير محبوباً عند الله والملائكة والناس .

وأما الذى يزكى نفسه ، ويلوم قريبه ويدينه بقلبه ، فإن شيطان الغضب سلمه إلى شيطان الحزن . وشيطان الحزن يسلمه إلى شيطان الاحتداد . وفي كل وقت يكون متكدراً متسجساً من الذين لا يمدحونه .

  • وقال أيضاً : إذا قيل عنك ردىء ، وانحصر ضميرك ، ولو أنك تطوى يومين يومين صوماً بالمسوح والتوبة وكل أنواع الصلاة والدموع ، فلست تنعتق من ضنك الضمير ، ولا يعطيك الرب راحة ، إلى أن تضمر من كل قلبك أنك بالحقيقة مسىء ، باقتناع قلبى أنك بالحقيقة قد أسأت .

وهناك أمر نافع فى إحتمال الإساءة ، يمنع الغضب هو :

إعتبار المسئ كطبيب 🔗

يرى الآباء أن المتكلم عنّا بالسوء ، ربما رأى فينا عيوباً لا نراها نحن ، فتحدّث عنها ، كاشفاً لنا أخطاءنا لنتفاداها . فالأولى بنا أن نشكره ، بدلاً من الغضب عليه . إنه بمثابة مرآة روحية ، أو هو بمثابة طبيب . كما أنه يعالجنا من البر الذاتى .

قال القديس الأنبا أنطونيوس :

إفتكر فى شاتمك أنه قد عتقك من السبح الباطل إن إحتملته بمعرفة . وأنه قد أرسل لك على لسانه الدواء النافع .

وقال القديس الأنبا باخوميوس :

  • إذا توبخ أحدنا من أحد إخوانه ولم يقبل ، بل حقد عليه ، فقد إغتال الشياطين نفسه . ولست أقول هذا فقط . بل إن لم تعتبره كطبيب معالج ، فقد ظلمت نفسك … فسبيلك أن تعترف بأنه كطبيب أرسله المسيح إليك .

فإن كنت تحب المرض ، فلا تحتج على البرء ..

أما هذا الوجع الذى ظهر لك ، فدليل على ضعف نفسك . ولولا ذلك ما كنت تحزن من الدواء . لذلك ينبغى أن تعترف بالفضل للأخ ، لأنك به عرفت مرضك القاتل . فعليك أن تقبله مثل دواء شافِ مرسل من عند يسوع المسيح .

وإن كنت لم تقتصر على عدم شكره فحسب ، بل خلقت حوله شكوكاً ، فقد كان الأحرى بك أن تقول ليسوع المسيح : لست أريد أن تشفينى ، ولا أشاء أن أقبل شيئاً من أدويتك .

  • وقال : الأحزان هى مكاوى يسوع … فمكوى يسوع هو ذاك الذى يهينك . لأنه إن كان يشتمك ، إلا أنه يريحك ويخلصك من السبح الباطل … فإن لم تحتمل شرب الأدوية ، تظلم نفسك وحدك . أما الأخ فلم يسبب لك ضرراً ما .

  • وقال القديس الأنبا أثناسيوس :

مَنْ يعاتبك و يوبخك على زلاتك ، أحببه مثل نفسك ، واتخذه لك صديقاً .

  • وقال شيخ :

إنه يجب على الإنسان الشكر لا التحقيق . وأن يعتقد فيهم ( أى فيمَنْ يتحدثون عن عيوبه ) أنهم أطباء يداوون جراح نفسه ، ذلك إن كان ذا ألم وإنفعال . أما إن كان عديم الإنفعال والألم : فيرى أنهم محسنون يسببون له ملك السموات .

  • إن مرض الغضب هو داخل نفسك . والذى أهانك لم يوجده ، إنما كشفه لك . فاشكره ، وعالج نفسك من الداخل . لأن الإهانة التى أصابتك من الخارج ، لا تضرك بشىء ، ولا تؤثر على أبديتك .

هل تظن أنك ستعالج نفسك ، أو تنقى قلبك ، عن طريق أولئك الذين يقابلونك بالمديح والترحاب والكلام الطيب ، طالبين صلواتك ودعواتك وبركاتك …؟! هل هؤلاء سيساعدونك على التخلص من أخطائك ؟!

وهل ستنال فضيلة الاحتمال عن طريق هؤلاء ‏ أو هل ستنال عن طريقهم فضيلة المغفرة للمسيئين ، وفضائل الوداعة والهدوء والاتضاع . أم تنال كل هذا عن طريق إنسان يسمح الله بأن ( ينكشك ) ، ويثيرك . ويبقى بعد هذا أن تستفيد روحياً من هذه الإثارة لصلاح نفسك ، بدلاً من أن تضر ذاتك وتزيد أخطائها بالغضب والصياح والنرفزة … !

  • بل من أين تعلم أنك مصاب بداء النرفزة والغضب ، إن لم يقل لك أحد كلمة تغيظك وتتعبك ؟

إنه مثل ترمومتر صادق أظهر لك أن حرارتك مرتفعة جداً وتحتاج إلى علاج . هل تقذف بهذا الترمومتر وتكسره ، لأنه كان صريحاً معك . أما تشكر الله لأنه كشف لك داءك عن طريقه ؟…

إذا قال لك طبيب [ عندك وساخة فى المعدة ] ، هل تطبق على رقبة الطبيب وتصيح غاضباً [ هذا الطبيب قد شتمنى ] ، أم أنت تشكره على حسن تشخيصه وتسلك في علاج نفسك ؟!

  • هذا الذى أغضبك ، شبهه أحد القديسين بتشبيه دقيق .

فقال : إذا أحضرت إناء فيه سائل كريه الرائحة جداً ، وعليه غطاء محكم . ثم يقوم أحد الناس بفتح الغطاء ، فتفوح الرائحة النتنة … فهل الشخص الذى فتح الغطاء هو الذى وضع النتونة فى السائل ؟ أم السائل هو النتن ، وقد إنكشفت الآن نتانته . وتوجد فرصة للغسل والتنظيف تنقى الإناء مما هو فيه …

  • إفرح إذن بالمرآة الروحية التى تكشف لك نفسك .

ولن تجد هذه المرآة الروحية عند المجاملين أو المتملقين . ولن تجدها عند كل إنسان محب يراعى شعورك ويخشى أن يكلمك بصراحة ، إن كان يعرف مسبقاً أنك تغضب من الصراحة . إِنما تجد هذه المرآة عند أولئك الذين يقولون لك رأيهم فيك ، دون مراعاة لشعورك ، غضبت أو لم تغضب … فلا تحطم هذه المرآة ، وحاول أن تستفيد مما تكشفه لك … هذا إذا كنت حقاً تحب القداسة ونقاوة القلب …

هناك طريقة أخرى لمقاومة الغضب وهى الرد بالآيات :

الرد بالآيات 🔗

  • احفظ الآيات الخاصة بذم الغضب ، ورددها ، ولتكن موضع تأملاتك ، وتذكرها كلما حوربت بالغضب .

وسنذكر لك هنا أمثلة من هذه الآيات ، هى :

1 - " غضب الإنسان لا يصنع بر الله " ( يع 1 : 20 ) .

2 - « الغضب يستقر فى حضن الجهال » ( جا 7 : 9 ) .

3 - « ملعون غضبهما فإنه شديد ، وسخطهما فإنه قاسٍ » ( تك 49 : 46 ) .

4 - « لا تستصحب غضوباً ، ومع رجل ساخط لا تجىء » ( أم 22 : 24 ) .

5 - « الرجل الغضوب يهيج الخصام ، السخوط كثير المعاصى » ( أم 29 : 22 ) .

6 - « الحكماء يصرفون الغضب » ( أم 29 : 8 ) .

7 - « لينزع من بينكم كل مرارة وسخط وغضب وصياح » ( أف 4 : 31 ) .

8 - " الغضب قساوة … " ( أم 27 : 4 ) .

9 - « لا تتغاضبوا فى الطريق » ( تك 45 : 24 ) .

10 - " الحجر ثقيل ، والرمل ثقيل ، وغضب الجاهل أَثقَل منهما كليهما " ( أم 27 : 3 ) .

  • كذلك إحفظ بعض الآيات الخاصة بالوداعة والهدوء ورددها . ( انظر كتابنا عن الهدوء ، والوداعة ضمن ثمار الروح ) .

  • وقد أورد القديس مار أوغريس آيات عديدة عن الرد على الغضب بالآيات ، نذكر أمثلة منها لمجرد معرفة المنهج :

قال : الفكر الذى ما يشاء أن يكف عن الغضب إذا تاب إليه أخوه ، يرد عليه بالآية « فإن تاب فاغفر له » ( لو 17 : 3 ) . والذى لا يشاء أن يصالح أخاه ، ويختلق لذلك حججاً ، يرد عليه بقول الرسول : « لا تغرب الشمس على غيظكم » ( أف 4 : 26 ) . والذى يغضب على شخص إقترض منه وتوانى فى إعادة ما إقترضه ، يرد عليه بقوله : « وإن كان قد ظلمك فى شىء ، أو كان لك عليه دين فاحسب ذلك علىّ » ( فل 18 ) . والذى يفرح بزلة أعدائه ، يرد عليه بقوله « بكاء مع الباكين » ( رو 12 : 15 ) .‏

  • وبمنهج مار أوغريس يمكن للإنسان أن يعرف الأسباب التى تدفعه إلى الغضب ، ويعرف الآيات التى ترد عليها ويستخدمها .

  • كذلك يمكنه إستخدام الآيات الخاصة بالسلام ومنها قول القديس يعقوب الرسول :

« مَنْ هو حكيم وعالم بينكم . فليرِ أعماله بالتصرف الحسن فى وداعة الحكمة . ولكن إن كانت لكم غيرة مُرَّهٌ وتحزّب فى قلوبكم ، فلا تفتخروا وتكذبوا على الحق . ليست هذه الحكمة نازلة من فوق ، بل هى أرضية نفسانية شيطانية . لأنه حيث الغيرة والتحزّب ، هناك التشويش وكل أمرٍ ردىء »

" أما الحكمة التى من فوق ، فهى أولاً طاهرة ، ثم مسالمة مترفقة مذعنة ، مملوءة رحمة وأثماراً صالحة .. " .

" وثمر البر يُزرَع فى السلام ، مِن الذين يفعلون السلام " ( يع 3 : 3 - 18 ) .

طريقة أخرى لمقاومة الغضب وهى الإبطاء فى الغضب .

الإبطاء في الغضب 🔗

الغضب هو حركة سريعة ، تثار فتندفع . والإبطاء يمنعها .

الإبطاء فى الغضب يعطى فرصة للتحقق ، ولتهدئة النفس من الداخل ، والتحكم فى الأعصاب وفي اللسان .

ولذلك يقول معلمنا يعقوب الرسول « ليكن كل إنسان مسرعاً فى الاستماع ، مبطئاً فى التكلم ، مبطئاً فى الغضب . لأن غضب الإنسان لا يصنع برّ الله » ( يع 1 : 19 ، 20 ) .

وهذا أيضاً يقول سليمان الحكيم فى سفر الأمثال :

« تعقل الإنسان يبطىء غضبه » ( أم 19 : 11 ) .

فالإنسان العاقل لا يسلّم نفسه بسرعة إلى إنفعال الغضب ، إنما يتناول الأمر بكل هدوء ورزانة ، وموضوعية ، ويدرسه ، ويفكر فى نتائجه ، وفي أسلم الحلول لمعالجته كما يتحقق هل الكلام الذى سمعه وأثاره هو حق أو باطل . وهكذا يكون بطيئاً فى غضبه . وقد قال الحكيم :

« لا تسرع بروحك إلى الغضب ، لأن الغضب يستقر فى حضن الجهال » (جا 7 : 9 ) .

وبهذا رأى أن الإسراع فى الغضب ، يؤدى إلى جهالة . وهذا واقع عملي . فكثيراً ما نرى أشخاصاً يغضبون بسرعة ، ثم يرجعون فيندمون على كل ما فعلوه ، ويرونه إندفاعاً غير حكيم ، ينقصه التروى والفحص . و يقول الواحد منهم عن غضبه [ لم أكن فى عقلى ] …!

ومن الجميل أن الله قد وُصف بأنه بطىء الغضب :

قال عنه يونان النبى « لأنى علمت أنك إله رؤوف ورحيم ، بطىء الغضب وكثير الرحمة » ( يون 4 : 2 ) . وقيل عنه فى سفر الخروج « الرب إله رحيم ورؤوف . بطىء الغضب وكثير الإحسان … غافر الإثم والمعصية والخطية » ( خر 34 : 6 ، 7 ) . ونلاحظ هنا بأن صفة بطىء الغضب مقترنة بصفات الرحمة والرأفة والمغفرة . ونفس هذه الصفات وردت فى سفر يوئيل النبى إذ يقول « إرجعوا إلى الرب إلهكم ، لأنه رؤوف رحيم ، بطىء الغضب ، وكثير الرأفة » ( يوء 2 : 13 ) .

وسليمان الحكيم يمتدح الإبطاء فى الغضب ، ويرى أنه « يسكّن الخصام » ( أم 15 : 18 ) وأنه يدل على الحكمة فيقول :

« بطىء الغضب ، كثير الفهم » ( أم 14 : 29 ) .

إنه يفهم مضار الغضب ونتائجه السيئة ، ويفهم أنه لا يصنع برّ الله ، ولا يقيم سلاماً مع الناس ، بل يضرب الشخص الغضوب نفسه صحياً ونفسياً ، وروحياً إذ يوقعه فى خطايا كثيرة ، ويجعله عثرة لغيره . لذلك إبطاؤه فى الغضب ، يدل على فهمه …

والمعروف أن الإبطاء فى الغضب يمنعه أو يصرفه .

وذلك لأن الإبطاء فى الغضب ، يجعل الإنسان يجتاز مرحلة الإنفعال ، و يدخل فى دائرة التعقل ، وأيضاً الصبر . وبهذا يتبدد الدافع إلى الغضب . وربما بسبب هذا الإبطاء يهدأ الطرف الآخر ، وتبطل إثارته .

آفة الغضب السرعة ، والتصرف باندفاع بدون تفكير .

فلو أنك أبطأت ، وبدأت تفكر ، ولم تترك نفسك فريسة للإندفاع ، فلابد أنك ستستطيع أن تهدىء نفسك ، وتحتفظ بأعصابك . وقد مدح سليمان الحكيم هذا الأمر فقال « البطىء الغضب خير من الجبار . ومالك روحه خير مِمَّنْ يأخذ مدينة » ( أم 16 : 32 ) .

لذلك قبل أن تلفظ كلمة فى غضبك ، فكّر فى نتائجها .

المعروف أن الكلمات فى حالة الغضب ، تخرج بلا ضابط ، ولذلك كثيراً ما تكون خاطئة جداً ، وتسبب مشاكل ، كما تكون موضع نقد . أما أنت ، فلا تندفع بالكلام ، وتباطأ ريثما تفهم جيداً : ماذا ينبغى أن تفعل . واعلم أن الإبطاء فى الغضب يحمل فضيلة ضبط النفس .

إن لم تعرف كيف تتصرف : إسكت .

فالسكوت فى حالة الغضب فضيلة . لأن تبادل الكلمات الشديدة . يشعل الغضب بالأكثر من الطرفين . والكلمة الإنفعالية التى هى نتيجة لإساءة سابقة ، تصبح مبرراً لإهانة لاحقة . وتزيد الجو توتراً . على أن هناك وسيلة تصلح أحياناً أكثر من السكوت ، وهى الجواب اللين .

الجواب اللين 🔗

يقول الوحى الإلهى فى سفر الأمثال ( أم 15 : 1 ) .

" الجواب اللين يصرف الغضب . والكلام الموجع يهيج السخط " .

إذا إحتدم الغضب ، فإنه لا يعالج بالكلمات الموجعة ، لأنه كما قال القديسون [ النار لا تطفىء ناراً . لكن يطفئها الماء ] . ولذلك فإن الكلمة اللطيفة قد تكون أقدر على إطفاء نار الغضب .

انظر إلى الأب فى قصة الابن الضال ، وكيف تعامل مع غضب ابنه الأكبر …

كان كلام هذا الابن شديداً على أخيه الصغير وعلى أبيه أيضاً ، وقد رفض أن يشترك فى الفرح برجوع أخيه « غضب ولم يرد أن يدخل » ( لو 15 : 28 ) . واتهم أخاه بأنه أنفق معيشته مع الزوانى ، كما اتهم أباه بالبخل ، قائلاً له « ها أنا أخدمك سنين هذا عددها … وجدياً لم تعطنى لأفرح مع أصدقائى » … ومع كل هذه الإتهامات وغيرها ، كلّمَه أبوه بكل رِقّة قائلاً له « يا ابنى ، أنت معى كل حين . وكل ما لى هو لك » .

  • يقدم مار إسحق الكلمة اللينة كعلاج للغضب ، فيقول :

[ الكلمة اللينة تحطم الأعضاء . وشرارة الغضب - إن نفخت فيها - أثارت الحنق ، وإنْ تلافيتها بحب وسلام تطفئها . وحريتك مسلطة على الأمرين . ومن داخلك يخرج الاثنان : أعنى الكلام الطيب والسلام ، أو كلام التشامخ والغضب ] .

  • تذكر الكلام اللين اللطيف الذى تكلمت به ابيجايل مع داود وهو فى عنفوان غضبه ، وكيف إستطاعت أن تهدئه وتعالجه من شهوة الإنتقام وهو يريد أن يقتل زوجها . بينما الكلام الموجع الذى قاله ذلك الزوج ، كان سبباً فى إثارة داود ( 1 صم 25 ) .

  • ربما يكون الجواب اللين ، فى كلمة فكاهة أحياناً .

تُظهر أنه لا غضب ولا بغضة فى قلبك ، وتبسط جواً من المرح يزول فيه الغضب . وينطبق عليها قول الكتاب « وللضحك وقت » ( جا 3 : 4 ) . ولكن ليكن ذلك بروح مودّة ، لئلا ضحكك يثير الطرف الآخر …

  • العجيب أن كثيراً مِن أولاد الله ، تنقصهم البشاشة أحياناً !

ولا يضعون أمامهم سوى قول الكتاب « بكآبة الوجه يصلح القلب » ( جا 7 : 3 ) . ولذلك ترى وجوههم جادة باستمرار . وملامحهم صارمة عابسة . فهؤلاء إن صادفتهم مشكلة غضب ، يزيدونها حدّة بهذه الجدية فتشتعل . بينما يكون الحل فى إبتسامة لطيفة وكلمة رقيقة ، والتنازل عن كآبة الوجه ولو إلى لُحَيظَات لإصلاح علاقتهم مع إخوتهم .

  • لذلك كثيراً ما تكون البشاشة علاجاً للغضب .

الشخص البشوش يستطيع أن يستوعب الموقف فى لطف ، و يرد بملامح منبسطة مريحة ، وبوجه مبتسم ، ولا يستطيع الغضوب أن يستمر فى غضبه أمامه . بل قد يجبره على الابتسام بروح الدعابة والكلمة الطيبة فينفك غضبه . هنا ونقول : أليس بعض من أهل العالم أنجح من كثير من المتدينين المتزمتين ، الذين يرفضون أن يبتسموا فى الأوقات التى يلزم فيها الإبتسام !!

  • وقد يكون الجواب اللين هو كلمة إعتذار أو إتضاع .

سرعان ما يتلاشى معها غضب الطرف الآخر ، ولا يجد أمامه شيئاً آخر يقوله …

  • أو قد تكون كلمة مديح أو إطراء ، تظهر تقديرك له ، ويخفى معها شعوره بأنك أهنته أو جرحته …

والسيد المسيح يقدم الصورة المثلى للكلمة اللينة فى التعامل مع الإهانة بل ومع اللعنة ، فيقول :

« باركوا لاعنيكم ، أحسنوا إلى مبغضيكم » ( متى 5 : 44 ) .

وعلى هذا النهج يقول القديس بطرس الرسول « كونوا جميعاً … ذوى محبة أخوية ، مشفقين لطفاء ، غير مجازين عن شر بشر ، أو عن شتيمة بشتيمة ، بل بالعكس مباركين .. عالمين أنكم لهذا دُعيتُم » ( 1 بط 3 : 8 ، 9 ) .

ومع كل ذلك فإن علاج الغضب يحتاج إلى حكمة :

الحكمة 🔗

ربما لا يصلح أسلوب واحد للتهدئة مع جميع أنواع الغضوبين ، ومع مختلف الحالات والأسباب :

فمع إنسان قد يصلح السكوت ، إن كانت كل كلمة يمكن أن تثيره بالأكثر . ومع آخر ربما يثيره صمتك ، ويحتاج إلى كلمة تهدئة .

والأمر يحتاج إلى حكمة : متى تتكلم ؟ ومتى تصمت ؟

وهنا نجد الحكيم يضع أمامنا تصرفين مختلفين تماماً للتعامل مع نوعيات محتلفة من الناس فيقول :

لا تجاوب الجاهل حسب حماقته ، لئلا تعدله أنت ( أم 26 : 4 ) .

جاوب الجاهل حسب حماقته ، لئلا يكون حكيماً فى عينى نفسه ( أم 26 : 5 ) .

إذن حسب ظروفه الحالّة تتكلم أو تصمت ، وكذلك حسب ما تتوقعه من نتائج . المسألة تتوقف على الحكمة والإفراز وتقدير الظروف .

انظر إلى الشخص الذى أمامك : ماذا يريحه ويهدئه .

إن وجدت أن الاعتذار إليه يهدىء غضبه ويريحه ، فلا مانع ، إعتذر إليه . وإن رأيت أنه سيتخذ الاعتذار إثباتاً لإساءتك إليه ، فتزيد ثورته من أجل كرامته ، تكون الحكمة إذن فى تبرير الموقف ، وتوضيح تقديرك لكرامته .

تذكر نتائج الغضب السيئة 🔗

لعل من أهم هذه النتائج : هزيمة الإنسان من الداخل ، وعثرته للناس فى الخارج ، وخسارته للآخرين ، بل خسارته لصحته أيضاً ولروحياته وأبديته ، مع تعقد الأمور بالأزيد نتيجة هذا الغضب .

  • قال مار إسحق : عندها تكون مغتاظاً من نكد ، انظر بدقة إلى الأعداء الصعبة ، المتحركة فيك من الداخل ، ومن الخارج . فمن الداخل الآلام المرة ، والإحتداد والحقد والغضب والشر ، التى تهاجم فضائل نفسك وتفسدها ، وتخيبها من حلاوة الحب الإلهى . ومن الخارج : الناس الأشرار الذين يخجلونك ، و يعيرون بك أصدقاءك .

بينما حينما تكون حلواً بشوشاً طيباً ، انظر داخلك كيف أن بنى بيتك يفرحون بك و يفرحونك ، أعنى السلام ، الهدوء ، الحب ، الود ، نور المعرفة ، الرجاء باللّه ..

( انظر هذا الكتاب من ص 33 إلى ص 38 ) .

فإن اقتنع الإنسان بأن الغضب سيضره من نواحٍ متعددة ، حينئذ يجد دافعاً داخلياً يمنعه من الغضب أو من إكماله .

وهنا نتعرض لنقطة أخرى فى علاج الغضب وهى :

عدم التدرج إلى أسوأ 🔗

فى كل مرحلة تصل إليها فى غضبك . إحترس مِن أن تتمادى وتصل إلى ما هو أسوأ .

فإن دخل الغضب إلى فكرك ، إحترس من أن يصل إلى قلبك ، ويربك مشاعرك تجاه الآخرين . وإن وصل إلى قلبك إحترس من أن يصل إلى ملامحك ، فيكفهر وجهك وتظهر بأسلوب غير مشرف . وإن ساد الغضب على ملاحك ، إحترس مِن أن يسود على لسانك ، فتتلفظ بألفاظ قاسية . وإن أدرك الغضب لسانك ، إجعله أن يقف عند حد فى أخطاء اللسان فهى متعددة . وإن سقطت فى أخطاء اللسان ، إحترس من أن يصل الغضب إلى يدك ، فتقع فى الإيذاء والاعتداء . وإن وصلت إلى ذلك ، إحترس من القسوة بكل ألوانها …

ضع للغضب حدوداً فى كل مرحلة :

لا تجعله يصل إلى مستوى الحقد والكراهية .

إحترس من أن يسوّد قلبك من جهة أشخاص معينين ، أو أن تترسب أمور فى أعماق نفسك ، كلما تذكرها تغضب ، وكلما يأتى ذكرها تحتد .

إحترس من أن تنطبع مشاعر الغضب في عقلك الباطن ، وتصبح مصدراً لأحلام فيها غضب وقسوة وعنف وحقد ، واستمرارية لحالتك الروحية المريضة .

إحترس أيضاً من أن يلد الغضب شروراً أخرى .

ويكون هذا الغضب مقدمة ومصدراً لخطايا عديدة ، شرحناه فى حديثنا عن الغضب كخطية مركبة منفرة ( من ص 26 إلى 31 ) .

نقاوة القلب وليس الإنطواء 🔗

البعض يظن أن علاج الغضب يكون بالوحدة والهروب من المجتمع ، وفى الواقع إن هذا نوع من الإنطواء وليس الوحدة .

الوحدة يلجأ إليها إنسان ناجح فى حياته الإجتماعية ، يحب الناس ويحبونه . ولكنه يحب الوحدة بالأكثر لأنها تعطيه فرصة للتأمل والإنشغال بالله والصلاة والقراءة . وليس لأنه عاجز عن التكيف مع المجتمع المحيط به ، وليس كراهية للناس وتعقد القلب من جهتهم …

فالشخص الغضوب إن ذهب إلى الوحدة ، يرافقه غضبه فيها !

  • قال شيخ : [ إذا كان وجع يقاتلك فى موضع ما ، وتترك ذلك الموضع ظناً منك أنه يخفَ عنك دون أن تقاتله ، فاعلم أنك إذا لم تغلبه حيث قاتلك ، فإنه سوف يسبقك إلى كل موضع تمضي إليه ] .

[ لأنى أعرف أن أخاً كان ساكناً فى دير ، وكان مداوماً على السكوت ، إلا أنه كان كل يوم يتحرك من وجع الغضب . فقال فى نفسه " أمضى وأسكن وحدى فى قلاية . وحيث إنه ليس هناك أحد ساكناً سواى ، فسوف أهدأ ويخفَ عنّى وجع الغضب " . فخرج وسكن وحده فى مغارة . وفى أحد الأيام ملأ القلة ماء ووضعها على الأرض . ولوقتها تدحرجت وإنسكب ما فيها . فأخذها وملأها مرة ثانية ووضعها على الأرض فانسكبت كذلك ، فملأها دفعة ثالثة فانسكبت أيضاً . فغضب وأمسكها وضرب بها الأرض فكسرها . فلما رجع إلى قلبه ، علم أن الشياطين قد سخروا به . فقال فى نفسه " هوذا قد إنغلبت وأنا فى وحدتى كذلك . فلأذهب إلى الدير ، لأنه فى كل موضع يحتاج الإنسان إلى جهاد وصبر ومعونة من الله " . ثم قام ورجع إلى موضعه ] .

إنسان راهب من شدة التجارب والمحن المتكاثرة عليه ، قال [ لنمض من ههنا إلى موضع آخر ] . فبينما هو يلبس حذاءه ، أبصر الشيطان فى زى رجل مقابله يلبس الحذاء أيضاً . فقال له [ إلى أين أنت ماض كذلك ؟ ] . فأجاب قائلاً [ إلى الموضع الذى أنت ماضٍ إليه . لأنى أنا من أجلك مقيم فى هذا الموضع . فإن أردت الإنتقال من ههنا ، فسوف انتقل بدورى . لأنى أنا ملازم لك حيثماسكنت ] ..!

  • مِن أجل هذا كان الآباء يدربون أبناءهم الروحيين على الوداعة والتواضع والاحتمال وعدم الغضب ، قبل أن يسمحوا لهم بالإنفراد فى الوحدة .

إذن يجب على الإنسان أن يُهَدِّىء قلبه من الداخل ، ويُنَقِّى قلبه من الغضب والغيظ . ولا ينفعه أن ينطوى على ذاته ، وقلبه ساخط نافر مملوء بمشاعر خاطئة .

نقاوة القلب هذه هى العلاج الحقيقى لمشكلة الغضب ، مادام السبب هو داخلنا ، أعنى عدم الاحتمال ، وعدم المحبة ، وعدم المغفرة .

فلنهتم إذن بهذه الأمور ، لنعالج نفوسنا من الغضب .

المحَبّة والإحسان والهدايا 🔗

إن أحببنا الناس ، أمكننا أن نحتملهم ، لأن المحبة « تحتمل كل شىء » ( 1 كو 13 : 6 ) .

قال القديس مار أوغريس :

الغضب والكراهية يزيدان تهيج القلب . والرحمة والوداعة تهدئانه .

الوديع - ولو صنعوا به الشر - لا يتخلى عن المحبة ، لأنه من أجلها يتمهل ويصبر بصلاح .

فإن كان فعل المحبة هو طول الروح ، فهى غريبة عن الغضب . لأن الغضب يقيم البغضة والرجز ، والمحبة تبطل الثلاثة .

« مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفىء المحبة » ( نش 8 : 7 ) .

إذا أردت أن تدوس وجع القلب والغضب ، اقتنِ طول الروح والمحبة فى قلبك ، والبس فرح البساطة .

ولا تجعل فرحك يكون حزناً لرفيقك .

وقال القديس مار أوغريس أيضاً :

الذى يمسك الغضب بالتمهل ، والحزن بالمحبة ، فهو يغلب وحشين رديئين بهاتين الفضيلتين .

وقال : الهدايا تبطل السجس . و يقنعك يعقوب حين تلقى عيسو بالهدايا عند خروجه لملاقاته ومعه أربعمائة رجلاً ( تك 33 : 1 ) .

  • وفي موضع الهدايا ومعالجتها للغضب ، يقول الكتاب :

« الهدية فى الخفاء تفثأ الغضب » ( أم 21 : 14 ) .

ولكن موضوع الهدايا هذا ، يحتاج إلى حكمة . لأنها فى حالة قبولها يمكن أن تدل على محبة وتعالج الغضب . أما إن كان قلب إنسان مملوءاً بالسخط ، فهناك إحتمال أنه قد يرفض مثل هذه الهدية ، فيسوء الوضع ويزداد الغضب . فيحب أن يكون مقدم الهدية حكيماً ، ويدرس الموضوع برؤية . فقد يقول الطرف الآخر [ يصالحنى أولاً ، و يعالج أسباب غضبى . ثم أقبل منه الهدية ] .

  • أما مقابلة الإساءة بالإحسان ، فإنها مبدأ روحى .

وفى ذلك يقول الكتاب « لا يغلبَنّك الشر ، بل إغلب الشر بالخير » و يقول

أيضاً « إن جاع عدوك فاطعمه ، وإن عطش فاسقه » ( رو 12 : 20 ، 21 ) .

ويقول السيد فى العظة على الجبل « أحسنوا إلى مبغضيكم » ( مت 5 : 44 ) . إن مثل هذا الإحسان يستطيع أن ينزع البغضة من القلب ، وبالأولى الغضب .

  • قال القديس الأنبا بيمن : الشر لا يُغلب بالشر . ولكن إن أساء أحد إليك ، فاحسن أنت إليه . فإنك باحسانك إليه تستأصل الشر . لأنه ينبغى ألا نكافئ شراً بشر .

فى حالة غضبك من إنسان ، ضع فى قلبك قول الكتاب :

« رابح النفوس حكيم » ( أم 11 : 30 ) .

وقل لنفسك [ لماذا أخسر الناس ؟! وهل هذه حكمة أن أخسرهم ؟!] . وتذكر قول بولس الرسول « فإنى إذ كنت حراً من الجميع ، استعبدت نفسى للجميع ، لأربح الكثيرين … صرت للضعفاء كضعيف لأربح الضعفاء . صرت للكل كل شىء ، لأخلص على كل حال قوماً » ( 1 كو 9 : 19 - 22 ) .

التفاهم والعتاب 🔗

وهذه القاعدة وضعها السيد المسيح نفسه ، وتعامل بها مع الكتبة والفريسيين الذين كانوا يقابلون تصرفاته بغضب .

  • فكان السيد يستخدم معهم طريقة الاقناع ، ومناقشة الفكر .

كان يغضبون عليه مثلاً ، لأنه يقوم ببعض المعجزات فى يوم سبت . فكان يرد على نقدهم له ، ليس بالغضب ، وإنما بالإقناع . فيقول لهم إن سقط خروف فى يوم سبت ، ألا نمسكه وتقيمه ( مت 12 : 11 ) . و يقول لهم عن ختان الطفل فى اليوم الثامن من ميلاده ، وربما يكون يوم سبت إن « الكهنة يدنسون السبت » وهم أبرياء ( مت 12 : 5 ) . ويقول لهم إن الله يريد رحمة لا ذبيحة . كلها طرق إقناع …

  • لم يكن يرد على إنتقاداتهم بالغضب ، إنما بالإقناع .

وهكذا عندما غضبوا لصياح الأطفال فى يوم دخوله أورشليم ، أقنعهم بقوله إن الكتاب يقول « من أفواه الأطفال والرضعان هيأت سبحاً » ( مت 21 : 16 ) .

وبالمثل رد على إنتقاداتهم بأن تلاميذه يأكلون بأيد غير مغسولة ، رد أيضاً بالإقناع بقوله « ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان ، بل ما يخرج من الفم هذا ينجس الإنسان » (مت 15 : 11 ) .

إن التفاهم أسلوب جميل يشرح الأمور ، ويزيل الغضب من جذوره ، من أسبابه ، إن كانت قد فُهمت خطأ .

  • وموضوع العتاب وضع السيد المسيح أسسه كما ورد فى قوله « إذهب وعاتبه فيما بينك وبينه » ( مت 18 : 15 ) .

التصريف وليس الترسيب 🔗

هناك طريقتان للتعامل مع الغضب ، وفيهما يبدو الإنسان هادئاً . وهما طريقة التصريف ، وطريقة الترسيب .

  • أما التصريف ، فمعناه أنه قد صرف الغضب تماماً من أعماق قلبه ، ولم يعد فى داخله أى شىء ضد أخيه .

ولا يتم هذا إلا عن طريق المغفرة الكاملة ، التى تنسى الإساءة ، بل ربما تلتمس العذر للمسىء … أو عن طريق التواضع العميق ، الذى يشعر فيه الإنسان أنه هو المخطىء ، وهو السبب فى كل ما حدث . وبهذا لا يوجد غضب فى القلب على الإطلاق .

وعن تصريف الغضب ، قال الرسول « لا تنتقموا لأنفسكم أيها الأحباء ، بل اعطوا مكاناً للغضب » ( رو 12 : 19 ) أى إفسحوا له مكاناً ينصرف منه .. ولا تكتموه …

وعن هذا التصريف أيضاً قال الكتاب :

« أما الحكماء ، فيصرفون الغضب » ( أم 29 : 8 ) .

وبتصريف الغضب يصبح القلب صافياً صفاء حقيقياً ، من الداخل تماماً كما من الخارج . ولا يكون هناك أى شىء يشوب العلاقات مع مَنْ كان سبباً للغضب . بل يعود الود كما كان …

على أن هذا التصرف قد يحدث أحياناً بالتدريج :

مثل جرح قد نظفته تاماً ، وشفى وإلتأم . ولم يعد يؤلمك فى شىء . ولكن موضعه لايزال حساساً ، بحيث إن أصابته أية صدمة تكون أكثر تأثيراً عليه ، وأكثر إيلاماً … ولكن بالوقت يزول الألم تماماً تماماً ، و يصبح موضع الجرح كأى موضع آخر فى الجسم من حيث التعرض للألم ….

  • أما الترسيب ، فهو صفاء خارجى ، مع وجود الغضب كامناً فى أعماق النفس ، ثابتاً فى الفكر !

مثال ذلك زجاجة دواء مكتوب عليها [ رج الزجاجة قبل الاستعمال ] . يكون فيها الدواء صافياً ورائقاً من فوق ، مع وجود مواد مترسبة فى القاع . بحيث إذا رججت الزجاجة ، يتعكر السائل الرائق كله ، إذ يختلط بما رسب فى القاع …

فقد يحدث أن إنساناً يهدىء نفسه من الإنفعال الظاهرى . وى قلبه هو غير مقتنع بما حدث له . هو من أجل الله ، ومن أجل الوصية ، قد سكت . ولكن كلاماً فى داخله لايزال موجوداً . وربما يكون قد هدّأ قلبه أيضاً بأسباب كثيرة ، ونسى الموضوع …

ولكن يحدث أنه إذا تكررت الاساءة ، يغضب ليس بسبب هذه الإساءة الجديدة ، إنما بسبب القديمة أيضاً .

ذلك لأن الإساءة القديمة لم تنتهِ بعد ، لاتزال موجودة فى قلبه ، كامنة ومترسبة ، لم يعطها مكاناً لتنصرف . إنما إستبقاها وغطى عليها بصفاء ظاهرى ، وبنسيان مؤقت …

ماذا نقول إذن عن هدوئه وصفائه السابقين ؟ وكيف نحلل الموقف ؟ وما حكمنا على الطريقة التى اتخذها فى التعامل مع الغضب ؟ وما سبب الترسيب فى هذه الحالة ؟ نقول :

إنه حاول معالجة نتائج غضبه ، ولم يعالج أسبابه ..

فلم يسمح للغضب أن تنتج عنه حدّة أو خصومة ، أو محاولة لرد الشر بالشر .. أما أسباب الغضب فظلت باقية فى أعماق نفسه تحتاج إلى تصريف .

وقد تعرض القديس دوروثيئوس لهذه النقطة فى الجزء الأخير من حديثه عن ردّ الشر بالشر .

لهذا ننصحك بتصريف غضبك ، وليس ممجرد ترسيبه .

لأن الترسيب كثيراً ما يؤثر على المحبة ، وعلى نقاوة القلب . وقد يبعد سليبات الغضب ، بينما لا توجد له إيجابيات المحبة .

فأنت فيه لا تنتقم ولا تثور ، ولا تخطىء بلسانك ، وقد تتحاشى أيضاً أن تخطىء بفكرك .. ومع ذلك فإن فى قلبك جرحاً لم يندمل بعد … تتجاهله فترة . ولكن إن تذكرته ، يعود الألم ، سواء أظهرته أو أخفيته …! والمفروض أن يتم تصريف لكل هذه المشاعر المترسبة ، و يصل القلب إلى حالته الطبيعية ، التى تقابل فيها الطرف الآخر بالود والحب ، وكأنه لم يحدث بينكما أى شىء يعكر هذه المودة .

معالجة الغضب بست فضائل 🔗

  • بفضيلة المغفرة :

وفى ذلك يقول القديس أوغسطينوس : [ فلا يستبقِ أحد ضد نفسه شيئاً ، برفضه أن يغفر ، لئلا يتبقى ذلك ضده عندما يصلي ] .

ويقول فى تعليقه على ( لو 17 : 23 ) « وإن أخطأ إليك سبع مرات فى اليوم … فاغفر له » يقصد مهما أخطأ . لئلا يخطىء إليك ثمانى مرات ، فلا تريد أن تغفر !! ما معنى إِذن سبع مرات ؟ معناها ( دائماً ) ، مهما أخطأ وتاب …

حقاً إن المغفرة الحقيقية تقتلع كل جذور الغضب من القلب .

وبأية فضيلة أخرى نقتلع الغضب ؟

  • بفضيلة الزهد :

لأن الزاهد فى العالم لا يجد سبباً يجعله يغضب . إنه قد إرتفع فوق مستوى الكرامة والحقوق ، وارتفع فوق كل ما يتنازع حوله الناس فى العالم .

يقول مار اسحق فى ذلك :

[ الصبر الإختيارى على الظلم يطهر القلب . والصبر يحدث من رفض الإنسان هذا العالم . لأنه إذا ها نظر حقيقة الأشياء ، عند ذلك يثبت بلا حزن على الظلم والجور ] .

[ لأن الذين صار عندهم العالم بمنزلة مائت ، يصبرون على الضوائق بفرح ، لأنهم قد ماتوا بأفكارهم عن العالم . أما الذين رائحة هذا العالم موجودة فى فكرهم ، فليست تتركهم محبة المجد الباطل . لكن عندما يتسخطون بأفكارهم بالغضب ، يقعون فى أفكار الكآبة التى من هذا تتولد ] .

[ آه من هذه الفضيلة ، فضيلة الزهد ورفض العالم ، ما أصعب تقويمها . وما أكثر مجدها عند الله ] …

يمكنك أيضاً أن تنتصر على الغضب بفضيلة الرقة واللطف .

  • بفضيلة الرقة واللطف :

والكتاب المقدس يدعونا إلى هذه الفضيلة فيقول القديس بطرس الرسول « كونوا جميعاً متحدى الرأى بحسّ واحد ، ذوى محبة أخوية ، مشفقين لطفاء » ( 1 بط 3 : 8 ) . ويقول القديس بولس الرسول « ليرفع من بينكم كل مرارة وسخط وغضب وصياح … وكونوا لطفاء بعضكم نحو بعض ، شفوقين متسامحين ، كما سامحكم الله أيضاً فى المسيح » ( أف 4 : 31 ، 32 ) .

يمكننا أن نقضى على الغضب بفضيلة أخرى :

  • بالصلح والسلام :

على أن نسرع بالمصالحة ، لأننا كلما تباطأنا فيها ، تزداد الأمور تعقيداً ، ويتطور الأمر داخل القلب إلى أسوأ .

ولهذا فإن الكنيسة تضع أمامنا نصيحة هامة . نتذكرها فى بدء كل يوم ، فى صلاة باكر ، وذلك فى فصل من رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس حيث يقول لهم :

« أسألكم أنا الأسير فى الرب أن تسلكوا كما يليق بالدعوة التى دعيتم إليها ، بكل تواضع القلب والوداعة وطول الأناة ، محتملين بعضكم بعضاً فى المحبة ، مجتهدين أن تحفظوا وحدانية الروح برباط الصلح الكامل ، لكى تكونوا جسداً واحداً وروحاً واحداً … » ( أف 4 : 1 - 4 ) .

والمصالحة تعيد الأمور إلى مجاريها ، وتزبل الغضب :

وقد طوّب الروح صانعى هذه المصالحات بقوله « طوبى لصانعى السلام ، لأنهم أبناء الله يدعون » ( مت 5 : 6 ) .

يمكننا أيضاً الإنتصار على الغضب بالصلاة والترتيل :

  • بالصلاة والترتيل :

قال القديس مار أوغريس : [ إذا تحرك الغضب يمكن أن يهدأ بالمزامير والكرم والرحمة ] . [ الغضب إذا هاج يخمده الترتيل وطول الأناة والرحمة ] .

فإذا إشتعل فيك الغضب . إرفع قلبك إلى الله : اطلب منه أن يمنحك هدوءاً ووداعة وصبراً واحتمالاً . صلِّ أيضاً من أجل السبب فى الغضب ، وأن يتدخل الله لحلّ الإشكال . صلِّ من أجل الشخص الذى أثارك ليس فقط لكى ينصفك الله منه ، وإنما من أجل أبديته ولكى يغفر الله لك وله . قل له : إن كنت أنا يارب قد أعثرت هذا الإنسان أو أغضبته أو ضايقته فى شىء ، فسامحنى ، ونجه من الغضب واصلح بينى وبينه .

حينئذ تلصق النعمة بك ، ويمنحك الله هدوءاً وسلاماً .

يمكننا أن ننتصر على الغضب أيضاً بفضيلة طول الأناة وسعة القلب أو سعة الصدر.

  • بطول البال وسعة القلب :

بعض الناس صدرهم ضيق ، يغضبون بسرعة ، ولأتفه الأسباب . أما أنت فكن واسع الصدر طويل البال . وتذكر قول الكتاب عن سليمان الحكيم « وأعطى الله سليمان حكمة وفهماً كثيراً جداً ، ورحبة قلب كالرمل الذى على شاطىء البحر » ( 1 مل 4 : 29 ) . وتذكر فى طول البال الحقيقة الآتية :

إذا ألقيت قطعة من الطين فى كوب ماء فإنها تعكره . ولو ألقيت هذا الطين فى المحيط فإنه لا يتعكر .

يأخذ المحيط حفنة الطين و يفرشها فى أعماقه بكل هدوء دون أن يتعكر . فكن أنت كذلك واسع القلب ولا تتضايق بكل سبب . وهنا أذكر قول بولس الرسول لأهل كورنثوس :

« فمنا مفتوح إليكم أيها الكورنثيون . قلبنا متسع . لستم متضيقين فينا ، بل متضيقين فى أحشائكم . فجزاء لذلك أقول كما لأولادى : كونوا أنتم أيضاً متسعين » ( 2 كو 6 : 11 - 13 ) .

لهذا كله أقول عن فضيلة الاحتمال :

إن فضيلة الإحتمال لا يمكن أن تُكتسب وحدها ، إنما متحدة بفضائل أخرى .

تدخل فيها أيضاً المحبة والوداعة وطيبة القلب … إلخ .

تذكر مثال الله 🔗

إننا عندما نغضب حينما يسئ الناس إلينا ، لا تكون راسخة فينا الأمثولة التى تركها الله أمامنا : إذ يسىء الناس إليه بكل أنواع الإساءات ، و يكسرون

كل وصاياه و يغضبون عليه أحياناً ويجدفون ، ومع ذلك فهو يغفر ، ولا يرد عليهم بنتيجة أخطائهم .. قال أحد القديسين :

كلما أرى غضب الناس ، أزداد حبّاً لله ، الذى يحتمل كل سيئاتنا ولا يغضب ..

حقاً ما أعجب الله فى إحتماله .. إنه يحتمل كل الأخطاء ، لكل الناس ، وفي كل العصور . وما يزال فى صدره الإلهى متسع كبير لأخطاء الناس فى المستقبل أيضاً … على الرغم من أنهم خليقته وعبيده … بينما الناس لا يحتملون غلطة واحدة فى حقهم ، من بشر مساوين لهم ، أو ربما أعلى منهم مقاماً .

فإن حوربنا بالغضب على أحد ، فلنتذكر كم مرة أخطأنا إلى الله ، ولم يغضب علينا !!

ولنتعلم من الله : الصبر ، والاحتمال ، والمغفرة ، وعدم الغضب ، وعدم المعاملة بالمثل ، وعدم المجازاة عن كل خطأ ….

ولنتذكر أيضاً أمراً عجيباً … وهو أننا بعد أن نخطىء إلى الله ، نقف لنصلى إليه ، ونتحدث معه ، ونطلب منه طلبات … دون أن نعتذر إليه ، أو حتى نصالحه …

هدوء الصوت والملامح 🔗

يمكن للإنسان أن يدرب نفسه على أمرين هما : علو الصوت ، وحدة الصوت . حتى لا يتحول غضبه إلى صياح وعراك .

  • فالصوت العالى عثرة ، وهو يفضح الغضب أمام الناس ويعلنه . و يظهر الشخص الغاضب كإنسان عاجز عن التحكم فى أعصابه ، وعاجز عن الهدوء أثناء نقاشه . وهذا أمر غير مشرف له من كل ناحية ، وموضع لنقده مهما كان على حق .

وما أجمل أن يتخذ مثل هذا الغاضب مثال السيد المسيح الذى قيل عنه فى وداعة حديثه ونقاشه إنه :

« لا يخاصم ، ولا يصيح ، ولا يسمع أحد فى الشوارع صوته » ( مت 12 : 19 )

كذلك قيل عن السيد الرب فى العهد القديم ، حينما تحدث مع إيليا : إنه تكلم معه فى « صوت منخفض خفيف » ( 1 مل 19 : 12 ) .

لهذا حاول فى غضبك ، أن تتحكم فى علو صوتك .

بعلو الصوت تريد أن تغلب بأعصابك ، لا باقناعك .

أما الإنسان القوى فى رأيه ، الواثق بأدلته وبراهينه وإقناعه ، فإنه لا يحتاج مطلقاً إلى علو الصوت . ولا يشعر فى داخله بضعف أو نقص يحاول تعويضه بالصوت العالى .

وكثيراً ما يعلو صوت إثنين فى مناقشة ، حتى ما تستطيع أن تميز صوت أحدهما من الآخر .

وفى حمو الغضب لا يترك أحدهما للآخر فرصة للكلام ، بل يقاطعه ليتكلم هو . ولا يحتمل سماع صوته ، فيحاول أن يسكته ، لكى يقول ما يريد . والناس ينظرون في عجب ، ولا يستطيعون أن يحترموا أو أن يتابعوا هذه المناقشة الغاضبة …

  • وقد يكون مظهر الغضب هو حدة الصوت وعنفه .

حتى إن لم يكن عالياً ، ولكن نبرته شديدة وقاسية ، تدل على قلب غاضب وأعصاب ملتهبة . وقد تثير سامعها . إذ تحمل فى طياتها أن المتكلم يلفظ كلامه بسلطان أو بأسلوب التحدى .

  • وإن إختلطت حدة الصوت بعلوه ، تكون غير محتملة . كذلك إن إرتبطت بملامح غاضبة .

انظر إلى وجهك فى مرآة أثناء غضبك ، ستجد أنه ليس من السهل إحتمال ملامحك . لذلك تدرب على هدوء الصوت والملامح .

تداريب متنوعة 🔗

1 - درب نفسك على عدم الغضب . ولا تتسبب فى إغضاب غيرك .

2 - إبعد عن أسباب الإثارة على قدر ما تستطيع . ولا تضخم من قدر الأسباب ، ولا تأخذ الأمور بتأزم .

3 - إن وجدت ناراً ، فلا تنفخ فيها ، ولا تضع عليها وقوداً .

4 - عاشر الودعاء ، لكى تتعلم منهم الهدوء وضبط النفس ، وعدم الغضب مهما كانت المثيرات ، مع أخذ الأمور ببساطة .

5 - لا تتفاهم مع الناس وأنت مرهق جسدياً أو غير محتمل ، أو وأنت متعب نفسياً أو عصبياً .

6 - تخير الوقت الصالح للمناقشة . ولا تناقش أحداً وهو مرهق ، أو مشغول ، أو وهو غير مستعد للحديث معك .

7 - لا تضغط على الآخرين ، ولا تتعب أعصابهم بالإلحاح .

8 - بروح المحبة ، فكّر فى راحة مَنْ يبغضك ، وليس فى راحة نفسك ، ولو كنت صاحب حق .

9 - لا تكن سريعاً فى غضبك . بل حاول أن تفهم غيرك . فكثيراً ما يكون الغضوب متسرعاً وأهوج ، يحكم قبل أن يفهم .

10 - هناك مثيرون كثيرون ، همهم أن يعكروا الأجواء الصافية ، فلا تصدق كل ما يقولون ، ولا تنفعل بسرعة و بدون تحقيق .

11 - ضع فى نفسك أن الغضب لا يحل مشاكلك بل يعقدها .

12 - لا تظن أن الرجولة والشجاعة هى أن تقيم الدنيا وتقعدها . فالإحتمال دليل القوة . والنرفزة مظهر للضعف والعثرة .

13 - تدرب على البشاشة ، وعلى هدوء الملامح والصوت والحركات .

14 - لا تنتظر من الناس مثاليات ، إن لم تجدها تغضب . بل عش فى الواقع ، وتعامل مع كل أحد حسب طباعه .

15 - لا تحاسب كل إنسان حساباً عسيراً على كل لفظ وكل تصرف . ولا تؤول كلامه بسوء ظن إلى معانٍ تتعبك .

16 - اترك الحساسية الزائدة نحو كرامتك وحقوقك ، التى تجعلك تغضب لأقل سبب ، فتفقد صداقة وعشرة الناس .

17 - لا تقم نفسك معلماً لغيرك ، ولا رقيباً على تصرفات الناس . ولا تكن كثير الإنتقاد والتوبيخ والتوجيه .

18 - لا تكن شديداً فى عتابك بحيث تخسر أحباءك .

19 - إن وقعت فى الغضب ، حاول أن تتخلص منه فى بدايته ، ولا تجعله يتطور معك إلى ما هو أسوأ .

20 - راقب الأخطاء التى تقع فيها أثناء غضبك . ودرب نفسك على التخلص منها . وكما تعالج نتائج غضبك ، عالج أسبابه .

21 - ليست كل صراحة ممدوحة . فكثيرون لا يحتملون أن تكشف أخطاءهم بصراحتك . الصراحة يجب أن تمتزج بالحكمة والمحبة واللطف .

22 - لا تحاول إرغام الناس على قبول رأيك أو إتباع مبادئك ، ولا تنتظر أن تسير كل الأمور حسب هواك .

23 - إبعد عن التدخل فى خصوصيات الناس . ولا تحاول أن تسأل إنساناً عن أسراره الخاصة أو أسرار غيره .

24 - إن ثار عليك أحد ، فلا تقابل ثورته بثورة . بل اعمل على تهدئته بقدر طاقتك وكن مسالماً فى معاملاتك .

كتاب الغضب ▹
التصنيفات: كتب
مشاركة: